Pinned Tweet
قناة الشيخ عبد الله الخليفي، المصدر الأساسي لما ينشر هنا في الحساب، ويمكنك البحث فيها عن شتى المواضيع 👇
T.me/alkulife
الانهزام النفسي والتقديس للقيم الغربية
لو نظرت في تراث المسلمين المتوافر على مدى ثلاثة عشر قرنا مضت قبل الاستعمار، وقد كانوا من خلفيات ثقافية وأعراق مختلفة، ففيهم المتكلم وفيهم الصوفي وفيهم صاحب الحديث وفيهم الفيلسوف، وفيهم العربي وفيهم الفارسي وفيهم الرومي وفيهم البربري وفيهم الكردي وفيهم التركي؛ لما وجدت واحدا منهم تكلف محاولة إسقاط حد الردة أو تذمر من الرجم بحجة شدته، ولا أحد تكلم عن تعدد الزوجات بسياق تبريري.
ولو نظرت في اعتراضات غير المسلمين من يهود ونصارى وردود المسلمين عليها لما وجدت كلاما عن سن زواج عائشة ولا غير ذلك.
إذن الذي حصل أننا بعد الهزيمة العسكرية التي لحقت بالمسلمين في بداية القرن الماضي ودخولهم في طور استضعاف حصل عندنا حالة مرضية من الانهزام النفسي والتقديس للقيم الغربية.
لو نظرت إلى أطروحات وشحرور وعدنان إبراهيم التي يخالفون بها جماهير الأمة لوجدت أن عامتها انتصار لقيم غربية حديثة.
فهذا ليس تحررا فكريا بل هو عبودية للمستعمر لا يصدر إلا من النفوس الذليلة.
عبادة الغرب هي التي وراء الحاد كثيرين واندماج كثير منهم في سلك العلمانية أو الليبرالية.
وهذا الانهزام أمام النموذج الغربي يظهر بصورة شديدة الوضوح في قضايا المرأة والحجاب؛ إذ يُقدَّم النموذج الغربي على أنه معيار التحرر، ثم يُنظر إلى المرأة المسلمة من خلال هذا المعيار.
قالت الكاتبة الكنديّة المسلمة ((كاثرين بلّوك)) ((Katherine Bullock)) في مقدمة كتابها ((Rethinking Muslim Women and the Veil: Challenging Historical and Modern Stereotypes)) - أصله أطروحة دكتوراه- الذي دافعت فيه عن الحجاب، وفكّكت فيه الخطاب الغربي، ونسفت دعاويه المختلقة:
((شاهدتُ سنة1991م تقريرًا إخباريًا على التلفزيون يظهر النساء التركيات العائدات إلى الحجاب. شعرت بالصدمة والحزن لأجلهن. وقلت في نفسي: ((إنهن مسكينات، لقد غُسِلت أدمغتهن بما تقدمه ثقافتهن.)) لقد كنت أعتقد -ككثير من الأوروبيين- أنّ الإسلام يضطهد النساء، وأنّ الحجاب هو رمز اضطهادهن. تصوّروا إذن المفاجأة التي وقعت لي بعد أربع سنوات وأنا أرى نفسي على مرآة محلّ، مرتديةً لباسًا يماثل تمامًا لباس أولئك النسوة المضطهدات. لقد انطلقت في رحلة روحيّة خلال مرحلة الماجستير؛ كانت نتيجتها بعد أربع سنوات، اعتناقي الإسلام. تضمّنت الرحلة انتقالي من بغض الإسلام إلى احترامه ثم الاهتمام به، إلى قبوله.))
وتقول ايفون ريدلي المهتدية للإسلام في كتابها How I came to Love the Veil:
"كان النساء يعامَلن على أنّهن كائنات أدنى، حتى جاء الإسلام. في الحقيقة، نحن النساء لازلنا نعاني في الغرب حيث يعتقد الرجال أنّهم أرقى من النساء. وهذا أمر من الممكن أن نراه في نظم الترقية والرواتب، من عاملات التنظيف إلى النساء في مجالس الإدارة.
النساء الغربيّات لازالن يعاملن كسلعة، حيث الاستعباد الجنسي في علوّ، وإن كان يتغطّى تحت كنايات تسويقيّة حيث تروّج أجساد النساء عبر عالم الإعلانات. كما ذكرت ذلك سابقًا، فإنّ هذا مجتمعٌ حيث الاغتصاب والتحرّش الجنسي والعنف ضد المرأة؛ أمور عادية. مجتمع، المساواة فيه بين الرجل والمرأة ليست إلاّ خديعة. مجتمع، حيث قوّة المرأة أو تأثيرها متصلٌ في الأغلب بحجم نهديها".
فالقضية ليست مجرد خلاف حول قطعة لباس أو بعض التفاصيل الاجتماعية، وإنما تتصل بنموذج كامل يُراد أن تصبح قيمه هي المعيار الذي تُقاس به المجتمعات الأخرى، حتى إذا خالفت المرأة هذا النموذج صُوِّرت على أنها ضحية تحتاج إلى تحرير.
وفي هذا السياق يقول عبد الوهاب المسيري:
(والعالم الغربي الذي ساند الدولة الصهيونية -التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسيا وحضاريا- يساند بنفس القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا (...) فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد.
كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، الذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادرا على توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم (...)
وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي (...) وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق، والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها! بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة!
وإذا انسحبت المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري والهيمنة الغربية!)
مقال د. عبد الوهاب المسيري: "ما بين حركة تحرير المرأة، وحركة التمركز حول الأنثى: رؤية معرفية" منشور بمجلة المنعطف المغربية، ص:93. عدد مزدوج: 15 - 16 - 1421/ 2000.
وهنا يظهر الفرق بين التحرر الفكري الحقيقي وبين مجرد الخضوع للثقافة الغالبة.
المفكر الحر هو الذي يثور على الثقافة الغالبة ويصححها ويفرز ما فيها من صواب وخطأ لا الذي يستسلم لها ويحرف دينه من أجلها.
لو كانت بعض الأحكام هي التي تحول بيننا وبين التقدم لما تقدمت قديما وفيها هذه الأحكام.
وغيركم استعمر ونهب وأباد السكان الأصليين لقارتين وما حال كل هذا الظلم بينهم وبين ان يصيروا آلهة لكم.
فهل يقف الأمر على رجم زاني أو قطع يد سارق؟
To the people of Saudi Arabia — from someone born and raised in the West:
Please, do not make the same mistake we made.
I grew up surrounded by Western culture. I have seen feminism presented as the ultimate path to women’s liberation, as though abandoning your traditions, your modesty, your family structures and your religious identity were the price of freedom. I know this ideology from the inside, and I beg you: do not confuse Westernization with liberation.
Look at the contradictions of Western society. Women are told they are empowered, yet an enormous industry profits from sexualizing their bodies, monetizing their insecurities and reducing their worth to beauty, youth and desirability. Families and communities have weakened, loneliness has become a profound social problem, and freedom is increasingly confused with individualism and consumption. These problems have many causes, but you should question a model that presents itself as the universal solution while refusing to acknowledge its own failures.
Remember Algeria. French colonial authorities understood that the veil was not merely a piece of clothing: it was a symbol of cultural identity and resistance. Colonial campaigns sought to unveil Algerian women under the language of emancipation, while colonial domination brought humiliation and sexual violence. Frantz Fanon examined this dynamic in A Dying Colonialism, showing how the colonial struggle over the veil was also a struggle over power, identity and control. When a powerful civilization claims that it alone knows how to liberate your women, ask yourselves: liberation for whom, and on whose terms?
The veil can be an expression of faith, dignity, modesty and resistance to a world that turns women into objects of consumption. A woman who chooses to cover herself is not oppressed; she may be asserting that her body does not exist for the approval or desire of strangers. A woman does not become free by unveiling, just as she does not become free simply by covering. Her dignity must never be measured by how closely she resembles a Western ideal. Defend her right to wear the veil without shame, discrimination or pressure to abandon it.
To the Saudis and Saudi women in particular: you do not have to reject education, scientific progress or women’s dignity to preserve your Islamic heritage. You can modernize without erasing yourselves, empower women without teaching them to despise their traditions, and improve society without blindly importing another civilization’s ideology. A tradition protected through conviction is stronger than one imposed through fear.
I am not asking you to reject every change or pretend that every inherited custom is perfect. I am asking you to reject the false choice between oppression and Westernization. Do not surrender your identity to earn the approval of people who consider your civilization backward simply because it follows different values.
I tell you this as someone who has witnessed the West from within: learn from the world, but do not blindly imitate it. Protect your families, your faith, your cultural inheritance and the dignity of women who choose modesty. The greatest victory of cultural domination is not when a people are conquered by force, but when they begin to believe that becoming someone else is the only way to be free.
Saudi Arabia, preserve what is precious before you are persuaded that you should be ashamed of it.
#٢٠٣٠_بلا_نقاب26 #٢٠٣٠_بلا_نقاب
قال أبو عبيد في الأموال 119 - حدثنا محمد بن كثير، عن أبي رجاء الخراساني، عن جسر أبي جعفر [ص:57]، قال:
شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة، قرئ علينا بالبصرة: أما بعد، فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحا لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال:
«ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك»، قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.
ويقول المستشرق دوزي: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام، وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة". انظر: تاريخ أهل الذمة في العراق، توفيق سلطان، دار العلوم، الرياض، ط1، 1403 هـ، ص 70، نقلا عن: نظرات في تاريخ الإسلام، دوزي، ص 411.
ويقول المستشرق بارتولد: "إن النصارى كانوا أحسن حالا تحت حكم المسلمين، إذ إن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل". انظر: تاريخ أهل الذمة في العراق، توفيق سلطان، ص 124، نقلا عن الحضارة الإسلامية، بارتولد، ق. ص 19.
ويقول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام". قصة الحضارة، ول ديورانت، دار الجيل، بيروت، د ت، ج 13، ص 130.
هذا مما غيبوه عنك، ولعلك تتساءل: في تلك الأزمنة، هل كان المسلمون تحت إمرة اليهود والنصارى يحصلون نصف هذا؟
الحمد لله، وبعد:
فإذا طُرح جانبًا ما في ردّ صاحب حساب «عبّاسي سابق» من سخرية وتنابز، بين «يا كذاب» و«الدجال الأشر» و«المعابيس» والرموز الضاحكة، ونُظر في مضمونه العلمي بإنصاف، لم يبقَ منه ما يخدم ما أراد الوصول إليه بمنشوره، ولا ما يدلّ عليه.
وقد والله قدّمتُ رجلًا وأخّرتُ أخرى قبل نشر هذا الرد، خشية أن تتحول المسائل العلمية إلى حلبة مصارعة. والله نسأل الصدق والإخلاص.
وقبل البدء، أُقدّم بما سبق نشره في الرد على صاحب حساب «محامي بني أمية»:
الرجوع عن الخطأ العلمي لا عيب فيه، بل هو منقبة لصاحبه. فالخطأ واقع من بني آدم لا محالة، وليس أحد بمعصوم بعد رسول الله ﷺ. قال مجاهد والحكم بن عتيبة كلاهما: «ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ» [جامع بيان العلم وفضله 2/925]. وفي كتاب عمر المشهور إلى أبي موسى: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل» [أخبار القضاة لوكيع 1/284].
وإنما الإشكال في أن تُتّخذ الأخطاء العلمية المحتملة، التي لا يسلم منها عالم مهما علا كعبه، فضلًا عمّن هو في مثل حالي، مادةً للسخرية والشتم. يتصيدها المخالف لا ليصحح مسألة، بل ليُسقط بها من يخالفه في عقيدته أو منهجه، ويؤصّل لأطروحةٍ تنقطع دون إثباتها أعناق المطيّ.
ثم إن هذا الضرب من الناس لا يزن بميزان واحد. يقبل الرواية إذا خدمت أطروحته، ويردّ مثلها إذا لم تخدمها.
وفي هذا الرد مثال ظاهر على ذلك في رواية عوف، كما سيأتي. ومن الوفاء بالميزان الواحد أن يُبدأ بتصحيح ما وقع في الرد السابق من خطأ قبل كل شيء.
فلفظ «يقتلها أولى الطائفتين بالحق» في مسلم وحده لا في الصحيحين. ونص منهاج السنة [4/420] الذي نُقل هناك حكايةٌ لقولٍ لا تقرير لابن تيمية. وابن رجب نسب نفي سماع الحسن من أبي بكرة إلى أحمد والأكثرين من المتقدمين، وإن حكى في موضعين آخرين أن السماع «صحيح عند علي بن المديني والبخاري وغيرهما، وخالف فيه ابن معين». وثناء ابن سعد على الحسن له تتمة لم تُذكر: «وما أرسل من الحديث فليس بحجة».
ويُسلَّم كذلك أن طريق عيينة يثبت أصل الحديث ولا يثبت وحده قصة الجمل. وأن توثيق الراوي في الجملة لا يمنع نقد رواية بعينها إذا قام الدليل. وأن ثبوت سماع الحسن في الجملة لا يحسم وحده كل رواية معنعنة له.
وأما ما نُقل عن الحسن في معاوية وعمرو، فالعبارة فيه لم تكن محررة. والتحرير أن وصف طائفة معاوية بالبغي له مستند حديثي وفقهي معتبر. وأما لفظ «ظالمًا»، ونسبة ابتغاء الدنيا إلى أحد الحكمين، فعبارات شديدة لا يُتابَع عليها. ولا يكفي ثبوتها لإثبات الجرح الذي يدّعيه المعترض في الحسن، فكيف باتهامه باختلاق حديث؟
هذا ما يُسلَّم. وما سواه فلا.
أصل المسألة
قبل الدخول في التفاصيل، ينبغي أن يُردّ القارئ إلى أصل الدعوى، فإن كثرة الفروع تُنسي الأصل.
والبحث هنا ثلاثة مباحث متمايزة: ثبوت أصل الحديث، وثبوت حكاية أبي بكرة يوم الجمل، وصحة تنزيله الحديث عليها. ولا يغني واحد منها عن الآخر.
وصاحب المنشور لم يقف عند شيء من هذا. ادّعى أن الحديث باطل، وجعل ذلك عنوان منشوره: «بطلان حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وادّعى أن سبب بطلانه ثلاث علل: عوف «الرافضي»، والحسن «الشيعي»، والانقطاع. وادّعى أن الدافع إليه حقد شيعي على أم المؤمنين وطلحة والزبير.
وما سبق تسليمه ليس كله في درجة واحدة. فالخلاف في السماع متعلق باتصال الطريق فعلًا، لكنه لا يثبت بمجرده الكذب، ولا يبطل أصل الحديث الثابت من طريق مستقل. وأما سائر ما سُلِّم، فلا يثبت شيئًا من تلك الدعاوى، وإن استوجب تصحيح بعض ما في الرد السابق.
ولنذهب أبعد من ذلك، فيُسلَّم له جدلًا أقوى ما عنده: أن الحسن لم يسمع من أبي بكرة أصلًا. فماذا يبقى؟
يبقى أصل الحديث ثابتًا من طريق ليس فيه عوف ولا الحسن. رواه أحمد من طريق عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة [المسند، رقم 20402، ط الرسالة 34/43]، وقال محققوه: «إسناده صحيح». وقد ضيّق المعترض النزاع بعد ذلك إلى «هذا المتن بهذا التنزيل»، فصار عنوانه أوسع من بحثه.
ويبقى عوف غير منفرد بقصة الجمل، فلا يصح أن تُعلَّق به تهمة صياغتها.
ويبقى الانقطاع، عند من قال به، انقطاعًا بين الحسن وأبي بكرة، لا أكثر. ولا يلزم منه اختلاق الجملة النبوية، ولا اختلاق حكاية أبي بكرة.
وتبقى دعوى الحقد بلا دليل. فالخبر يحكي صحابيًا اجتهد فامتنع عن القتال، وليس فيه السب ولا التشبيه المطلق الذي أضافه المعترض إليه.
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى أمام القارئ: هل أثبت المعترض أن خبرًا في صحيح البخاري، صحّحه الترمذي، وثبت أصله من طريق مستقل، باطلٌ مكذوب صنعه الشيعة حقدًا؟
والجواب: لا. لا بما أصاب فيه، ولا بأقوى ما عنده لو سُلِّم له كله. وما بعد هذا تفصيل لمن أراد أن يتحقق بنفسه.
عوف لم ينفرد بقصة الجمل
روى الترمذي [2262] من طريق خالد بن الحارث، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: «عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ...»، وفي آخره: «فلما قدمت عائشة -يعني البصرة- ذكرتُ قول رسول الله ﷺ فعصمني الله به». ثم قال الترمذي: «هذا حديث صحيح».
وفضّل البزار إسناد حميد على غيره، وذكر ابن حجر عنه أن الحديث رواه عن الحسن جماعة.
فقصة الجمل ليست من أفراد عوف. ومن أراد أن يتهمه بصياغتها، فعليه أن يفسّر كيف رواها غيره عن الحسن. ويبقى بعد ذلك بحثان مستقلان: اتصال الطريق، وحال الحسن.
وأما تدليس حميد، فالمشهور منه روايته عن أنس. وقد روى ابن معين عن حماد بن سلمة أن حميدًا «أخذ كتب الحسن فنسخها ثم ردها عليه» [تاريخ الدوري 4/350]. وهذه قرينة على صلته الوثيقة بحديث الحسن، وليست حجة قاطعة. لكن المعترض لم يأتِ بعلة تبيّن أن هذه الرواية بعينها من تدليسه، والترمذي صحّحها.
سماع الحسن من أبي بكرة
هذه مسألة خلاف حقيقي بين أهل الحديث، ولا ينبغي أن تُعرض على غير وجهها.
فأثبت السماعَ علي بن المديني صراحة: «سمع الحسن... من أبي بكرة» [العلل ص51]. وأخرج البخاري في صحيحه: «ولقد سمعت أبا بكرة» [2704]، ثم أعاد كلمة شيخه في «التاريخ الكبير» و«التاريخ الأوسط». وقال بهز بن أسد: «وسمع من أبي بكرة شيئًا» [المراسيل لابن أبي حاتم ص45]. وصحّح الترمذي هذا الطريق بعينه. وقال ابن حزم: «وقد صح سماع الحسن من أبي بكرة» [المحلى 3/144].
ونفاه ابن معين، والدارقطني، والباجي، ونسبه ابن رجب إلى أحمد والأكثرين.
وأما الباجي، فتأوّل قول «سمعت أبا بكرة» على أن قائله الحسن بن علي لا البصري. وقد تعقّبه ابن حجر بجمع طرق الحديث، وبيّن أن القائل هو الحسن البصري، ونقل طريقًا عند الإسماعيلي فيه: «سمعت الحسن، سمعت أبا بكرة»، ثم قال: «وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح» [فتح الباري 13/66، ط السلفية].
فلا يُلزَم أحد في هذه المسألة بقول واحد. لكن الذي يعني القارئ هنا: ما الحكم الذي رتّبه النافون على نفيهم؟
قال الدارقطني في حديث «زادك الله حرصًا ولا تعد»: «وفيه إرسال، لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة» [سؤالات الحاكم ص208]. إرسال، لا أكثر. وقالها في حديث صلاة لا شأن له بمذهب ولا طائفة. ولم يتضمن شيء من النصوص التي احتج بها المعترض في النفي ما رتّبه هو عليها من الكذب والوضع.
بل قال علي بن المديني في مراسيل الحسن عمومًا: «ومرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها» [رواه المقدمي في التاريخ وأسماء المحدثين، رقم 992]. وهذا مذهبه، ولا يلزم من خالفه.
فمقتضى قول النافين انقطاع هذا الطريق، لا ثبوت كذبه. وبين «منقطع» و«باطل مكذوب يفوح منه الحقد» مسافة لا يقطعها دليل، وإنما يقطعها الهوى والتحامل على الصحابة والسلف الكرام.
عوف، والجوزجاني، ونص ابن حجر
نقلُ كلام بندار في عوف حكايةٌ له، لا موافقة على ما بناه المعترض عليه. ومن تمام السياق الذي لم يذكره أن بندار قال كلمته تلك «وهو يقرأ علينا حديث عوف». فالرجل كان يذم بدعة عوف وهو يحدّث بحديثه.
وقاعدة الجوزجاني في المبتدع لها قائلون، ولا يُنكَر أصلها. لكن تطبيقها على رواية بعينها يحتاج إلى تحرير البدعة المنسوبة إلى الراوي، وبيان وجه تقوية الرواية لها، والنظر في طرق الخبر وقرائن قبوله أو ردّه. وما قدّمه المعترض لا يكفي لإثبات انطباق القيد على هذه الرواية. ثم إن تخصيص عوف بتهمة صياغة القصة تنقضه متابعة حميد.
ثم احتج بتعريف ابن حجر للتشيع، وموضعه المتحقق في «تهذيب التهذيب» [ط الهندية 1/93-94، ترجمة أبان بن تغلب]. ونصه بعد التعريف: «مع تقديم الشيخين وتفضيلهما... وإذا كان معتقد ذلك ورعًا دينًا صادقًا مجتهدًا فلا تُرد روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض».
فأخذ منه التعريف، وترك حكم قبول الرواية، وترك التفريق بين اصطلاح المتقدمين والمتأخرين. وهذا التفريق نفسه هو ما سخر منه حين نُبّه عليه.
والأعجب من ذلك أثر «فجاء معاوية باغيًا ظالمًا». فقد جعله المعترض عمدته في إثبات تشيّع الحسن، وتحدّى أن يُضعَّف. وإسناده عند البلاذري: «محمد بن راشد، عن عوف» [أنساب الأشراف 3/15-16]. ففيه عوف نفسه، وفيه وصف معاوية بالبغي والظلم، وهو عند المعترض مما يقوّي بدعة عوف. فلماذا قبله هنا ليثبت به تشيّع الحسن، ولم يطبّق عليه القيد الذي طبّقه على حكاية الجمل؟
الحسن البصري ومعاوية
زعم المعترض أن حديث «إن ابني هذا سيد» صيغ ليصوّر معاوية سفّاكًا للدماء، لا يردعه إلا الحسن بن علي. وهذا نص الخبر في البخاري [2704]، يرويه الحسن البصري نفسه:
«فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولّي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟». ثم بعث معاوية رجلين من قريش يعرضان الصلح.
فالحسن الذي يُراد تصويره «شيعيًا يسب معاوية» يحلف في هذا الخبر أن معاوية «خير الرجلين»، ويحكي حرصه على دماء المسلمين وذراريهم، ومبادرته هو إلى الصلح. فأين تلك الدعاية؟ والخبر نفسه يسمّي الطائفتين «فئتين عظيمتين من المسلمين».
وليس هذا وحده. فقد جاء عن الحسن إنكار صريح على من يطعن في معاوية.
قال أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» [5/368]: حدثنا شيبان، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن الحسن قال: قلت: يا أبا سعيد، إن ناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار. قال: «لعنهم الله، وما يدريهم أنهم في النار».
وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» [59/206] من طريق بشر بن المفضل، عن أبي الأشهب العطاردي قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن ها هنا قومًا يشتمون -أو يلعنون- معاوية وابن الزبير. فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله».
وأبو هلال فيه لين، وتُكلّم في روايته عن قتادة خاصة. وفي الطريق الثاني راوٍ لم يُذكر فيه توثيق صريح. لكنهما مخرجان متباينان، يجتمعان على أن الحسن كان ينكر الشهادة على معاوية بالنار، وينكر لعنه.
فرجلٌ هذا قوله فيمن يلعن معاوية، ويحلف في خبر الصلح أنه «خير الرجلين»، كيف يُجعل «شيعيًا يسب معاوية» لعبارة شديدة قالها في واقعة بعينها؟
وأما الخروج، فنص ابن سعد الذي ادّعى المعترض بتره قد نُقل منه في الرد السابق لبُّه بلفظه: «فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع». وهذا تعليل ديني صريح. وما بعده وصفٌ لطاعة أهل الشام للحجاج، وليس فيه دعوة إلى انتظار الفرصة.
وأما تواري الحسن من الحجاج فثابت لا ينازع فيه أحد، وفي صحيح البخاري [7510]: «وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة». لكن الدعوى أنه توارى «بتهمة الدعوة إلى الخروج» لم يأتِ لها المعترض بنقل. والذي ذكره ابن الجوزي في سببه: «كان الحجاج قد طلب الحسن لأنه كان ينكر عليه فاختفى» [كشف المشكل 3/219]. وإنكار المنكر على الأمير شيء، والخروج عليه شيء آخر. وقد توارى من الحجاج غيره من العلماء، كإبراهيم النخعي، وأفرد عبد الغني الأزدي لهؤلاء كتابًا سمّاه «المتوارين». بل حُفظ عن الحسن يوم أُخذ قوله: «القاتل والمقتول في النار» [المحن لأبي العرب ص428].
وابن تيمية يذكر الحسن ومجاهدًا مثالًا لمن نهى عن الخروج في فتنة ابن الأشعث [منهاج السنة 4/529].
تنزيل الحديث على الجمل
سبب صدور الحديث خبر فارس حين ملّكوا بنت كسرى. وأما أيام الجمل فمناسبةٌ تذكّر فيها أبو بكرة الحديث فعمل به. فقول المعترض إن سبب صدوره اقتراب أبي بكرة من الالتحاق بأصحاب الجمل خلطٌ في الزمن وفي المعنى معًا.
وأبو بكرة رأى أن الحال يدخل في معنى الحديث فكفّ عن القتال. وتنزيل حكم على واقعة شيء، وتشبيه شخص بشخص شيء آخر.
وقد قال ابن تيمية في أم المؤمنين رضي الله عنها إنها خرجت لقصد الإصلاح، «ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها» [منهاج السنة 4/316]. وهذا يلتقي مع موقف أبي بكرة في ترجيح الترك، وإن اختلف التعليل. فلا يكفي استنكار المعترض لاجتهاد أبي بكرة دليلًا على كذب حكايته.
ولو فُرض أن أبا بكرة أخطأ في التنزيل، فخطأ المجتهد في تنزيل نص لا يجعل النص مكذوبًا، ولا يجعل حكايته مكذوبة.
البغي، وما يقوله ابن تيمية حقًّا
جعل المعترض تصويب علي في حروبه تشيعًا. وابن حجر يقول: «وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي، لامتثال قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾... وقد ثبت أن من قاتل عليًا كانوا بغاة»، وهم مع ذلك لا يذمونهم، بل يقولون اجتهدوا فأخطؤوا [فتح الباري 13/67]. فلا يصح أن يُجعل تصويب علي وحده علامةً على التشيع.
ثم احتج بقول ابن تيمية في الجمل وصفين: «قتال فتنة ليس فيه أمر من الله ورسوله» [منهاج السنة 4/501]. وهذا نفيٌ للأمر بالقتال، لا نفيٌ لوقوع البغي. وقد بيّن ابن تيمية مراده بنفسه: «ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم، فإن الله لم يأمر بقتال كل باغ، بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداءً» [4/420].
ونصه الصريح في المسألة: «وكان سبّ علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها الطائفة الباغية». ثم ساق حديث عمار، وقال: «وأن الداعي إلى طاعته داعٍ إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داعٍ إلى النار، وإن كان متأولًا» [مجموع الفتاوى 4/437-438].
فمذهب ابن تيمية إثبات وصف البغي، وتخطئة من قاتل عليًا مع عذره بالتأويل، وأن ترك ذلك القتال والإصلاح كان أولى. وليس فيه نفي البغي الذي نسبه إليه المعترض.
وحديث عمار ثابت في مسلم من حديث أم سلمة: «تقتل عمارًا الفئة الباغية». وقد حكى ابن تيمية أن بعضهم تكلّم فيه، ثم قرر ثبوته.
وأما زعمه أن جيش علي منافقون، فلا يشهد له حديث القميص. فالحديث فيمن أراد حمل عثمان على الخلع، ولا ذكر فيه لجيش علي، ولا يجعل كل من وقف معه بعد ذلك منافقًا. وفي ذلك الجيش عمار الذي قال فيه النبي ﷺ: «يدعوهم إلى الجنة».
ما احتاج إلى إسقاطه
ولكي تستقيم دعواه، اضطر المعترض في مقال واحد إلى ردّ أحاديث أو ادّعاء إعلالها: حديث عمار وهو في مسلم، وحديث «إن ابني هذا سيد» وهو في البخاري، وحديث المارقة وهو في مسلم، وحديث أبي بكرة الذي صححه الترمذي.
ولم يقدّم حجة كافية لإبطال واحد منها. فما ذكره في حديث أبي بكرة من انقطاع وتدليس لا يثبت الوضع. وتعليل حديث المارقة أرجأ بيانه. وتكذيب حديث الصلح بناه على دلالة يردّها سياق الخبر نفسه.
وفي الختام
بعد هذا كله، يعود السؤال الذي بدأ به صاحب المنشور: هل حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» باطل؟
أصله ثابت من طريق ليس فيه عوف ولا الحسن.
وقصة تنزيله على الجمل ليست من أفراد عوف، وصححها الترمذي، وأثبت سماع الحسن من أبي بكرة ابن المديني والبخاري وغيرهما. ومقتضى نفي السماع انقطاع هذا الطريق، لا ثبوت كذبه.
والحقد المزعوم لم يُقم عليه دليل. فالخبر يحكي صحابيًا كفّ عن القتال اجتهادًا، والتقى في ذلك مع ما انتهت إليه أم المؤمنين نفسها من ترجيح ترك الخروج.
والحسن الذي جُعل شيعيًا يحلف في الخبر المتّهَم أن معاوية «خير الرجلين»، ويلعن من يلعنه.
وما صُحِّح من الرد السابق صُحِّح عن طيب نفس. ولم تثبت بكل هذه الاعتراضات دعوى بطلان أصل الحديث، ولا دعوى اختلاق قصة الجمل.
نسأل الله العظيم أن ينزّه أنفسنا عن الهوى، وعن الانتصار للنفس، وأن يعيذنا من أن تتحول المسائل الشرعية والعلمية إلى معارك شخصية أو خصومات نفسية. وأن يجعل ما نكتب خالصًا لوجهه، نصرةً لسنة نبيه ﷺ، وذبًّا عن أصحابه وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.
— مشرف الحساب.
القول ببطلان حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» بسبب عوف الأعرابي والحسن البصري لا يستقيم حديثيًا من أصله، والمنشور الذي بُنيت عليه هذه الدعوى مثال ظاهر على الانتقاء من كتب الرجال للوصول إلى نتيجة مقررة سلفًا، مع إغفال طرق الحديث الأخرى، وكلام النقاد الذي يخالف هذه النتيجة، وصنيع البخاري نفسه، وموقف أئمة السنة من الحسن البصري ومن وقائع الفتنة.
فأول ما أغفله صاحب المنشور أن الحديث لا يدور أصلًا على طريق عوف عن الحسن؛ فقد رواه أبو داود الطيالسي من طريق عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي بكرة، قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة». ورواه أحمد من الطريق نفسه فقال: «حدثنا يحيى، عن عيينة، أخبرني أبي، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» [مسند أحمد 34/43، رقم 20402]، ورواه ابن أبي شيبة أيضًا من هذا الطريق [المصنف 7/538، رقم 37787]، ونص محققو مسند أحمد على هذا الإسناد فقالوا: «إسناده صحيح». وروى البزار الحديث من وجه آخر عن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، ثم قال عقب الحديث: «وهذا الحديث قد روي عن أبي بكرة من وجوه» [مسند البزار 9/132]. فلو طُرح طريق عوف الأعرابي عن الحسن، لما تغيّر الحكم على الحديث شيئًا؛ لثبوته عن أبي بكرة من غير طريقهما، وهذه وحدها كافية لهدم دعوى أن الطعن في عوف والحسن «يدمر الحديث».
وهنا فائدة مهمة أغفلها صاحب المنشور تمامًا: اختيار البخاري لطريق عوف عن الحسن لم يكن عن غفلة عن الطرق الأخرى، ولا لأن الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه؛ بل طريق الحسن يحمل من القصة ما لا تحمله الرواية المختصرة عن عيينة. فالبخاري أخرج الحديث أولًا في «كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر»، ورواية الحسن تذكر سبب صدور الحديث: «لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». ولهذا قال ابن حجر في بيان مناسبة الحديث للترجمة: «ومناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة أنه تتمة قصة كسرى الذي مزق كتاب النبي ﷺ...» ثم بيّن أن أمرهم انتهى إلى تأمير المرأة وذهاب ملكهم [فتح الباري 8/128]. ثم أخرجه البخاري مرة أخرى في «كتاب الفتن»، وهنا تحمل رواية الحسن زيادة أخرى، وهي قول أبي بكرة: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل»، وأنه كاد يلتحق بأصحاب الجمل ثم امتنع لما تذكر الحديث، وقال ابن حجر في شرح هذا الموضع إن البخاري ذكر فيه أحاديث «تتعلق بوقعة الجمل» [فتح الباري 13/54]. فطريق الحسن ليس مجرد سند آخر للجملة النبوية، بل يحمل سبب صدور الحديث وتطبيق أبي بكرة له بعد ذلك، وهذا يفسر مناسبة إيراده في الموضعين.
والأهم أن البخاري لم يكن غافلًا أصلًا عن الخلاف في سماع الحسن من أبي بكرة؛ بل البخاري وشيخه علي بن المديني يثبتان هذا السماع. فقد أخرج البخاري في «كتاب الصلح» عن الحسن أنه قال في قصة صلح الحسن بن علي: «ولقد سمعت أبا بكرة يقول...»، ثم نقل البخاري عقب الحديث عن شيخه علي بن المديني: «قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث» [صحيح البخاري 3/186، رقم 2704]. فتأمل قوله: «إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث»؛ فهم يعلمون موضع النزاع وبحثوا السماع وثبت عندهم. فمن يأتي بعد ذلك فيقول: «الحسن مدلس وقد عنعن» وكأن البخاري مر على الإسناد غافلًا عن علله، فقد أسقط من حسابه نص البخاري نفسه في المسألة. ثم إن عوفًا لم ينفرد عن الحسن بهذا الحديث؛ فقد قال ابن حجر: «وقد تابع عوفًا حميد الطويل عن الحسن... وقال [البزار]: رواه عن الحسن جماعة، وأحسنها إسنادًا رواية حميد» [فتح الباري 13/54]. فالطعن في عوف لا يسقط حتى طريق الحسن نفسه، فضلًا عن أن يسقط أصل الحديث الثابت من غير الحسن!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما عوف الأعرابي، فنعم: نقلت فيه عبارات شديدة في باب الاعتقاد. ونقل العقيلي عن ابن المبارك أنه قال: «والله ما رضي عوف ببدعة واحدة حتى كانت فيه بدعتان: كان قدريًا وكان شيعيًا»، ونقل عن بندار قوله: «والله لقد كان عوف قدريًا رافضيًا شيطانًا». لكن عرض هذه الكلمات وحدها وإخفاء حكم أئمة النقد على روايته تدليس في عرض مادة الجرح والتعديل؛ فإن يحيى بن معين نفسه قال: «عوف الأعرابي ثقة» [تاريخ ابن معين، رواية الدوري 4/320]، ونقل الباجي عنه: «عوف بن أبي جميلة... قدري ثقة» [التعديل والتجريح 3/1029]، وسئل روح بن عبادة: «عوف الأعرابي كان يتشيع؟» فقال: «والله لقد كان يذكر فضائل عثمان كثيرًا» [تاريخ ابن معين 4/140]. فأئمة النقد الذين عرفوا ما قيل في اعتقاد عوف هم أنفسهم الذين وصفوه بالثقة. فكيف تؤخذ كلمة «قدري» أو «رافضي»، وتخفى كلمة «ثقة»؟! هذا ليس جمعًا لكلام النقاد، بل انتقاء لما يخدم النتيجة المراد الوصول إليها.
وقد نبّه شيخنا أبو جعفر عبد الله الخليفي - حفظه الله - إلى هذا بعينه، فنقل كلام العقيلي وبندار في عوف ثم قال: «وقد كان عوف ثقة بلا نزاع، ولكنه مبتدع». ونبّه أيضًا إلى أن إطلاق لفظ «رافضي» في كلام بعض المتقدمين لا يلزم أن يحمل على الاصطلاح الإمامي المتأخر بكل لوازمه، ثم ذكر أن عوفًا نفسه روى عن الحسن فضيلة لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وقال: «فهنا عوف يروي فضيلة لطلحة، ومعلوم أين كان طلحة يوم الجمل رضي الله عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ». وهذه نكتة مهمة؛ فالذي يراد تصويره وكأنه رافضي حمله حقده على أصحاب الجمل على رواية هذا الخبر، هو نفسه يروي فضائل طلحة وعثمان رضي الله عنهما، فدعوى أن «تشيعه» هو الذي حمله على رواية الحديث دعوى تصادم مجموع روايات الرجل نفسه.
ثم إن مجرد رمي الراوي بالبدعة لا يعني عند أئمة الحديث سقوط روايته؛ فالجرح بالبدعة ليس كاتهام الرجل بالكذب. قال الجوزجاني، وهو من أئمة النقد المتقدمين: «ومنهم زائغ عن الحق صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، إذ كان مخذولًا في بدعته مأمونًا في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف إذا لم يقو به بدعته فيتهم عند ذلك» [أحوال الرجال، ص11]. فهو يصف الرجل بأنه «زائغ عن الحق»، ثم يقول: «صدوق اللهجة»، و«مأمون في روايته». وقال ابن تيمية في بيان طريقة أحمد وغيره من فقهاء الحديث: «لكن تحقيق مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث أنهم يفرقون بين الداعية وغير الداعية في الشهادة والحديث والهجر؛ فمن كان داعية إلى البدعة هجروه فلم يحدثوا عنه ولم يستشهدوا به بخلاف غير الداعية»، ثم قال: «ولهذا لم يخرج أصحاب الصحيح والسنن عن الدعاة إلى البدع، وخرجوا عن عدد من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة» [الرد على السبكي 2/660]. وقال ابن الصلاح في التفريق بين الداعية وغيره: «وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء». فأين هذا التفصيل من طريقة: «وجدنا في عوف أنه قدري أو شيعي، إذن سقط حديثه»؟! والدليل أمامنا في عوف نفسه: عرفت مقالته، ومع ذلك قال فيه ابن معين: «ثقة»، وقيل فيه: «قدري ثقة». ثم بعد ذلك كله عوف لم ينفرد بالحديث أصلًا، ولم ينفرد حتى بطريق الحسن، والحديث ثابت من غير الحسن وعوف. فأي شيء بقي من هذه «العلة» المزعومة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما الحسن البصري، فقد وقع صاحب المنشور معه في خلط أشد. قال ابن سعد في ترجمته: «كان الحسن جامعًا عالمًا عاليًا رفيعًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كبير العلم فصيحًا جميلاً وسيمًا، وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسن حجة» [الطبقات الكبرى 7/115]. فهذا إمام موثق عند أهل الحديث، ثم يأتي متأخر فيجمع أخبارًا من هنا وهناك ويقول: «الحسن شيعي يسب الصحابة»، ثم يبني على هذا الوصف الذي أنشأه بنفسه إسقاط روايته! هذا عبث بعلم الرجال.
وأما الأثر المشهور المنسوب إلى الحسن: «أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة...» فهذا إنما رواه الطبري من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى، وأبو مخنف قال فيه يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال مرة: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف» [انظر: ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكون 3/28]. فلا يبنى وصف الحسن ومذهبه على أمثال هذه الروايات.
ولكننا لا نحتاج أصلًا إلى إنكار كل ما روي عنه في معاوية وعمرو بن العاص، بل بعض ما نقل عنه في هذا الباب ثابت أو قوي، وهنا يظهر فساد استدلال صاحب المنشور من جهة أخرى. فقد روي عن الحسن في سياق بيعة علي رضي الله عنه قوله: «قتل عثمان مظلومًا، فعمدوا إلى أفضلهم فبايعوه، فجاء معاوية باغيًا ظالمًا...»، وجاء ذلك في «أنساب الأشراف» بإسناد معروف عن الحسن. وروي عنه من طريق ابن عون أنه قال في الحكمين: «كان الحكمان: أبا موسى وعمرو بن العاص، وكان أحدهما يبتغي الدنيا والآخر يبتغي الآخرة»، وأورد الذهبي هذا الأثر في «سير أعلام النبلاء». فلسنا محتاجين إلى طريقة من ينكر كل خبر لا يعجبه؛ بل نقول: هب أن هذه الآثار ثابتة، فأين فيها ما يقتضي أن الحسن صار رافضيًا ساقط الرواية؟
أما وصف طائفة معاوية بالبغي، فهل صار هذا عند أهل السنة تشيعًا ورفضًا؟! ابن تيمية نفسه، وهو من أشهر من رد على الرافضة ودافع عن الصحابة ومعاوية رضي الله عنه، نقل في «منهاج السنة» قول من قال: «هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة، وأن قتال علي لهم قتال أهل العدل لأهل البغي، لكنهم بغاة متأولون لا يكفرون ولا يفسقون» [منهاج السنة 4/420]، ولم يجعل مجرد هذا الوصف تشيعًا أو سبًا للصحابة. بل قال في موضع آخر: «فسماهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي»، وقال: «فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية» [منهاج السنة 4/450]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، فسماهما من المؤمنين ثم وصف إحداهما بالبغي. فمتى صار مجرد وصف البغي في وقعة صفين مرادفًا للرفض وسب الصحابة؟! هذا خلط فاحش بين حكم شرعي على واقعة قتال وبين عقيدة الرافضة في الصحابة.
وأما لفظ «ظالمًا» المنقول عن الحسن، فهو لفظ شديد منه في تلك الواقعة، والحسن البصري ليس معصومًا؛ فإن أخطأ في لفظ أخطأ فيه، وإن اشتد في حكم على واقعة اشتد فيها. نحن لا نحتاج إلى تصويب كل كلمة صدرت عن كل إمام من التابعين، ولكن الخطأ في عبارة أو الاجتهاد في فتنة شيء، وتحويل صاحبها إلى «شيعي تُرد روايته» شيء آخر تمامًا. وأما أثر الحكمين، فالحسن قال: «وكان أحدهما يبتغي الدنيا، والآخر يبتغي الآخرة»، ولم يقل في نفس العبارة: «عمرو بن العاص يبتغي الدنيا»، وإن كان السياق ظاهرًا في أن هذا مراده. والأهم أن الذهبي نفسه عرف هذا الأثر وأورده في «السير»، ثم قال في ترجمة الحسن: «وكان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا». فأين فهم صاحب المنشور من هذا الأثر ما لم يفهمه الذهبي وأئمة السنة الذين عرفوا هذه الأخبار ورووها؟! هل اكتشف هو بعد أكثر من ألف عام أن الحسن «شيعي تُرد روايته»، وغفل عن ذلك أئمة الرجال الذين ترجموا له ووثقوه؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأخبث من ذلك تصوير الحسن البصري بأنه من دعاة الخروج والفتن، وأنه كان مع «جوقة متشيعة» هاربة من الدولة الأموية؛ فهذا قلب للتاريخ. روى ابن سعد أن الحسن «كان ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكف»، وروى عن أيوب أن ابن الأشعث لما أراد استنفار الناس قيل له: «إن سرك أن يقتلوا حولك كما قتلوا حول جمل عائشة فأخرج الحسن»، «فأرسل إليه فأكرهه»، وروى ابن عون أنه رأى الحسن معهم، ثم لما غفلوا عنه «ألقى نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم، وكاد يهلك يومئذ» [الطبقات الكبرى 7/163-164]. فالرجل أكره على الخروج معهم ثم فر منهم، فكيف تحول بعد ذلك إلى داعية خروج؟!
بل لما جاءه قوم يشكون الحجاج ويستفتونه في قتاله، قال: «أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين»، وقال: «إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع». ثم يأتي صاحب المنشور فيصور الحسن بأنه ناشر للفتن والخروج! وابن تيمية نفسه ذكر موقف الحسن هذا فقال: «وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة... وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث»، ثم قال: «ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة» [منهاج السنة 4/529]. فالحسن عند ابن تيمية مثال يذكره في تقرير أصل من أصول أهل السنة في الفتن، لا رأس «جوقة متشيعة خارجة على الولاة»! فأي قلب للتاريخ أشد من هذا؟
ثم يأتي صاحب المنشور فيقول: إن الحسن مبتدع شيعي، ثم يستدعي قاعدة رد رواية المبتدع إذا روى ما يقوي بدعته. وهنا دخل في دور مكشوف: يفترض أولًا أن الحسن شيعي، ثم يجعل بعض أقواله في الفتنة دليلًا على هذا التشيع، ثم يعود إلى النتيجة التي افترضها فيجعلها علة لرد حديثه! هذا ليس نقدًا حديثيًا، بل نتيجة صنعت أولًا ثم جُمعت لها المقدمات بعد ذلك.
ثم نسأله سؤالًا يهدم دعواه من أصلها: أي بدعة شيعية يقويها حديث: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»؟ الحديث يمدح الحسن بن علي رضي الله عنه لأنه أصلح بين طائفتين من المسلمين، وانتهى ذلك الصلح بتسليمه الأمر لمعاوية رضي الله عنه واجتماع الناس عليه. وابن تيمية نفسه قال: «فأصلح الله به بين أصحاب علي وأصحاب معاوية، فمدح النبي ﷺ الحسن بالإصلاح بينهما، وسماهما مؤمنين» [منهاج السنة 4/450]. فلو كان الحسن البصري يريد أن يختلق حديثًا يخدم «تشيعه ضد معاوية»، فما أفسد هذا الحديث لغرضه! فهو يثبت إيمان الطائفتين، ويمدح الإصلاح بينهما، ويمدح إنهاء القتال، ووقع مصداقه حين سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية. فأي تشيع يخدمه هذا الحديث؟! بل الاستدلال به على أنه «رواية مبتدع تقوي بدعته» من أعجب ما في هذا المنشور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما سماع الحسن من أبي بكرة، فالمسألة خلاف حقيقي بين أئمة النقد، وليست كما صورها المنشور إجماعًا على الانقطاع. نعم، أنكر يحيى بن معين سماع الحسن من أبي بكرة، فقال الدوري: «سمعت يحيى يقول: لم يسمع الحسن من أبي بكرة» [تاريخ ابن معين 4/322]، ونقل الإنكار أيضًا عن الدارقطني. لكن علي بن المديني قال صراحة: «سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلام يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص، ومن أبي بكرة» [علل ابن المديني، ص51]. ونقل الباجي الخلاف، فذكر أن علي بن المديني ومحمد بن إسماعيل البخاري يثبتان سماع الحسن من أبي بكرة، وأن ابن معين والدارقطني وغيرهما ينكرونه. فالمسألة خلاف بين الحفاظ، وليست: «الحفاظ نصوا على الانقطاع».
والبخاري لم يكتف بمجرد اختيار هذا المذهب، بل أخرج في صحيحه: «عن الحسن سمع أبا بكرة»، وأخرج حديث «إن ابني هذا سيد...»، ثم قال كما تقدم: «قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث». وقال البخاري أيضًا، كما نقل عنه الترمذي في «العلل الكبير»: «حديث الحسن عن أبي بكرة محفوظ». فمن يسرد للقارئ كلام ابن معين والدارقطني، ثم يسقط من عرضه علي بن المديني والبخاري وتصريح السماع في صحيح البخاري، لم يعرض الخلاف، بل انتقى أحد طرفيه وأخفى الآخر.
ثم إن الترمذي روى حديث «لن يفلح قوم» من طريق خالد بن الحارث، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن أبي بكرة، وقال أبو بكرة: «عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لما هلك كسرى...» ثم ذكر الحديث، وقال: «فلما قدمت عائشة يعني البصرة ذكرت قول رسول الله ﷺ، فعصمني الله به»، ثم قال الترمذي بعده صراحة: «هذا حديث صحيح» [سنن الترمذي 4/111، رقم 2262]. ورواه النسائي أيضًا، وجعل عليه بابًا بعنوان: «النهي عن استعمال النساء في الحكم» [سنن النسائي، رقم 5388]. فأين الحديث «المدمر» الذي يتحدث عنه صاحب المنشور؟! الترمذي يقول: «حديث صحيح»، والبخاري أخرجه في صحيحه، والنسائي يحتج به ويبني عليه ترجمة فقهية، والحديث ثابت من طريق لا عوف فيه ولا الحسن أصلًا، ثم يأتي متأخر فيعلن: «تم تدمير الرواية»! أي تدمير هذا؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قول أبي بكرة إنه تذكر الحديث أيام الجمل، فليس فيه أن عائشة رضي الله عنها كانت خليفة، ولا أن طلحة والزبير بايعاها خليفة. هذه مغالطة وتدليس خبيث أُدخل على النص. أبو بكرة لم يقل: «عائشة خليفة»، ولم يقل: «طلحة والزبير بايعاها بالإمامة العظمى»، وإنما رأى أن الحالة التي صارت فيها رضي الله عنها في قلب حركة الجمل تدخل عنده في معنى الحديث، فتذكر ما سمعه من رسول الله ﷺ وامتنع عن القتال معهم. فمن أراد مناقشة فقه أبي بكرة في تنزيل الحديث على واقعة الجمل فليفعل، لكن ثبوت الحديث شيء، وفهم دلالته شيء، وتنزيله على واقعة معينة شيء ثالث. ولو فرضنا جدلًا أن أبا بكرة أخطأ في تنزيل الحديث على واقعة الجمل، فكيف يتحول الحديث الذي سمعه من النبي ﷺ إلى حديث مكذوب؟! أي علاقة بين الأمرين؟!
بل ابن حجر نفسه، بعدما ساق أخبار وقعة الجمل، قال في بيان موقف أبي بكرة إنه أشار إلى الحديث «فامتنع من القتال معهم، ثم استصوب رأيه في ذلك الترك لما رأى غلبة علي» [فتح الباري 13/56]. فالمسألة عند أبي بكرة كانت سببًا في الكف عن القتال في الفتنة، ثم يأتي صاحب المنشور فيحول اجتهاد الصحابي في تطبيق النص إلى علة في أصل ثبوت النص! وهذا قلب لأبواب البحث.
ثم إن ضعف طريق واحد - لو ثبت ضعفه - لا يعني كذب المتن ولا بطلان الحديث، وهذه من بدهيات هذا العلم؛ فقد يضعف إسناد ويثبت الحديث بإسناد آخر، وقد يخطئ راوٍ في طريق ويضبطه غيره، وقد يروى الحديث من وجوه مستقلة. فكيف وهنا لا نحتاج أصلًا إلى مجرد قاعدة «تقوية الحديث بتعدد الطرق»، لأن أصل الحديث ثابت من طريق مستقل لا عوف فيه ولا الحسن؟ وروى البزار الحديث من وجه آخر ثم قال بنفسه: «وهذا الحديث قد روي عن أبي بكرة من وجوه». فالذي يريد إسقاط الحديث لا يكفيه أن يطعن في عوف، ولا يكفيه أن ينازع في سماع الحسن، بل عليه أن يتخلص من طريق عيينة عن أبيه عن أبي بكرة، ومن بقية وجوه الحديث عن أبي بكرة، وهذا ما لم يفعله صاحب المنشور أصلًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إن معنى الحديث لم يكن معنى غريبًا استنكره أئمة الإسلام الأوائل حتى احتاج المتأخرون إلى اختراع تأويل ينقذه. بل ابن المنذر ذكر مشاورة النبي ﷺ لأم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية، وقرر أن الصواب يقبل ممن جاء به، ثم دفع توهم التعارض مع حديث أبي بكرة فقال: «فإن قال قائل: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لن يفلح قوم تملكهم امرأة، فذلك على معنى الإمرة... على معنى الإمرة لا على معنى المشورة» [الأوسط 11/308]. وهذا تحرير واضح جدًا: الحديث في الإمرة، وليس معناه أن المرأة لا رأي لها، ولا أنها لا تستشار، ولا أن كل رأي لها مردود؛ وقد أخذ النبي ﷺ بمشورة أم سلمة، فلا تعارض بين هذا وذاك. ولهذا بوب النسائي: «النهي عن استعمال النساء في الحكم». فهذا هو الفهم الفقهي القديم للحديث، لا التأويلات التي يراد اختراعها اليوم تحت ضغط المزاج الثقافي المعاصر.
فالخلاصة أن صاحب المنشور لم يبطل الحديث، بل لم يقترب من إبطاله أصلًا. طعن في عوف وأخفى توثيق ابن معين له، وجعل البدعة مساوية لسقوط الحديث وأهمل طريقة أئمة النقد في التفريق بين البدعة وبين الصدق والضبط، وأغفل أن عوفًا لم ينفرد عن الحسن، وأغفل متابعة حميد الطويل مع أن ابن حجر قال إن روايته أحسن إسنادًا، وأغفل الطريق المستقل عن عيينة عن أبيه عن أبي بكرة الذي لا عوف فيه ولا الحسن، وأغفل تصريح البزار بأن الحديث روي عن أبي بكرة من وجوه، وأغفل أن البخاري نفسه واع تمامًا لمسألة سماع الحسن من أبي بكرة، بل نقل عن علي بن المديني: «إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث»، وأغفل إثبات علي بن المديني والبخاري للسماع وعرض قول من أنكره وكأنه قول الحفاظ جميعًا، وأغفل تصحيح الترمذي الصريح للحديث، وأغفل تبويب النسائي عليه، وجعل بعض أحكام الحسن في الفتنة دليلًا على أنه «شيعي يسب الصحابة» مع أن وصف البغي ليس مرادفًا للرفض حتى عند ابن تيمية، وصور الحسن داعية خروج مع أن الثابت عنه أنه كان ينهى عن الخروج على الحجاج وأنه أكره على الخروج مع ابن الأشعث ثم هرب منهم، ثم جعل حديث «إن ابني هذا سيد» مؤيدًا لتشيع الحسن مع أن الحديث نفسه يثبت إيمان الطائفتين ويمدح الصلح الذي انتهى باجتماع الأمر لمعاوية، ثم خلط بين ثبوت الحديث وبين اجتهاد أبي بكرة في تنزيله على واقعة الجمل، وبعد هذا كله أعلن من أول الطريق: «بطلان الحديث» و«تدمير الرواية»!
والحقيقة أن الذي انهار عند الفحص ليس الحديث، بل المنهج الذي استعمل للطعن فيه. فهذا المنشور لم يبدأ من طرق الحديث ثم ينظر ماذا تعطيه قواعد النقد، بل بدأ بالنتيجة التي يريدها، ثم نزل إلى كتب الرجال ينتقي منها ما يخدمها. ولو كان غرضه التحقيق حقًا لما أغفل طريقًا مستقلًا للحديث، ولما أخفى توثيق عوف، ولما أخفى متابعة حميد، ولما أخفى قول علي بن المديني، ولما أخفى تصريح البخاري بالسماع، ولما أخفى تصحيح الترمذي، ولما قلب موقف الحسن من الخروج رأسًا على عقب، ولما جعل أحكام السلف في فتنة صفين «تشيعًا وسبًا للصحابة».
ولكن حين تكون النتيجة مقررة سلفًا لخدمة الأجندة النسوية المسعورة في هذا الوقت، يصبح المطلوب ليس معرفة حكم الحديث، بل البحث في كتب الرجال عن أي كلمة يمكن تعليقها على راوٍ ثم تكبيرها وإخفاء ما يقابلها، حتى يصل صاحب الهوى إلى النتيجة التي يريد. والأعجب أن يبدأ الرجل بإعلان «بطلان الحديث»، ثم يبحث بعد ذلك في رجاله عما يوافق الحكم الذي أطلقه من البداية! هذه ليست طريقة أهل الحديث، وليست طريقة من يريد الحق، بل هي طريقة أهل الأهواء: يقررون النتيجة أولًا، ثم ينتقون لها من كلام الأئمة ما يوافقها، ويتركون ما يهدمها.
وأما الحديث فباق ثابتًا، ولو طُرح طريق عوف عن الحسن كله. وأما الحسن البصري فإمام ثقة عند أهل الحديث، والخلاف في سماعه من أبي بكرة معروف بين الحفاظ، وقد أثبته البخاري وعلي بن المديني. وأما عوف فبدعته - على ما ثبت منها - لم تمنع أئمة النقد من توثيقه. وأما أبو بكرة فقد سمع الحديث من رسول الله ﷺ، ثم اجتهد في تطبيقه على واقعة الجمل. وأما معنى الحديث في الإمرة فقد فهمه أئمة متقدمون قبل أن تظهر هذه التأويلات المتكلفة بقرون.
فلم يبق بعد جمع الطرق وكلام النقاد إلا الضجيج.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
— مشرف الحساب.
من هؤلاء الضحايا نساء وأطفال، منذ حصلت الحادثة في الأردن ونحن نرى تصعيداً في الخطاب وحنقاً لمجموعة من الناس وكأنهم وجدوا فرصة وحديث عن أمور زائدة على إدانة الجريمة؛
فمن أخذنا لجدل حول الترحم على النصارى وتلك الباقعة التي أطلقها المفتي في أن من لا يترحم متطرف،
ومن قراءة فاتحة على أرواح نصارى لا يؤمنون بثواب الفاتحة ولا منزل الفاتحة،
ومن تتبع للمنشورات وتدقيق هل استخدم المتكلم لفظ ( نصارى ) أو ( مسيحيين )،
ومراجعة خطاب المساجد في الأردن ( مع أن المنفذين ظهر أنهم ليسوا من الأردن باعتبار الرواية الرسمية )،
وأمور أخرى يطول ذكرها.
ويحدثك عن دولة المواطنة، وأنه لا مكان للحديث عن معاهد أو مستأمن.
دولة المواطنة لا يوجد فيها ( شهداء )، هذا مصطلح شرعي، دولة المواطنة يوجد فيها ( ضحايا )، ولا يوجد فيها ترحم وقراءة فاتحة هذه كلها معاني دينية.
فأنت تستحضر الدين إذا أردت، وإذا كلمك شخص في الدين قلت: "هذه دولة مواطنة"!
كنا خائفين من فتنة طائفية وإذا بالاحتقان ( الوطني ) قد يؤدي إلى فتنة بين بلدين شقيقين بكل طوائفها.
رحم الله قتلى درعا الأبرياء.
وكلنا ثقة أن العقلاء من البلدين سيدرأون الفتنة، ولا داعي للانجرار وراء احتقانات لحظية في مواقع التواصل.
وينبغي الاعتذار للأبرياء الذين قضوا في درعا وتعويض ذويهم.
وليحدثنا مفتي الأردن عن دية قتل الخطأ، فحديثه في هذا لن يكون فاجعاً، وسيكون يؤدي دوره الذي ينبغي في بيان الأحكام الشرعية.
تعليق على رد عدنان إبراهيم على دان جيبسون. وكانت بتاريخ ٢٦ / ٠١ / ٢٠١٨
كيف لو رأوا من يترحم على الكافر ويصلي عليه؟
هناك فروع فقهية في الكتب المذهبية، في كتاب الردة، تتعلق بألفاظ يقولها المسلم للكافر، فيُفهم منها أنه يرضى بالكفر أو يحثُّه على البقاء كافرًا.
وتجد هذه العبارة إما يتفقون على تكفير قائلها، أو يختلفون، مع اتفاقهم على أن ذلك منهي عنه.
جاء في «لوامع الدرر في هتك أستار المختصر» لمحمد المجلسي الشنقيطي المالكي (13/343): "ولو قال لكافر: أماتك الله على ما تختار، فالظاهر أنه إن قال له ذلك في خصومة بينهما وفي صنعه له شيئا معيبا فلا يكفر بذلك، وأما على غير ذلك كدعائه له مكافأة على إحسان فعله به فإن الذي يظهر أنه يكفر لأنه رضي بالكفر. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم".
هنا يرجِّح أنه لو قال لكافر: أماتك الله على دينك، في حال رضا، أنه يكفر؛ لأنه مقرٌّ بالكفر، راضٍ به، حاثٌّ للكافر عليه.
وجاء في «كفاية النبيه» لابن الرفعة الشافعي (16/340) نقلًا عن المتولي: "وكذا لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه الشهادة، فلم يفعل، أو أشار عليه بألا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد - فهو كافر؛ للرضا بالكفر، بخلاف ما لو قال للكافر: لا رزقه الله الإيمان، أو لمسلم: سلبه الله الإيمان؛ لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد العقوبة".
وفي «النجم الوهاج» للدميري الشافعي (9/81): "وفي كتب الحنفية: من قال: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها.. كفر، وكذا من قرأ القرآن على دُف أو قصب أو على الإيقاع.. كفر".
ولم أجد هذا النقل فيما بين يدي من كتب الحنفية، وهذه العبارة تشبه في القبح عبارة من يقول: "الجنة التي ليس فيها فلان لا تلزمني أو لا أريدها".
والعبارات الأولى جامعها أن فيها إقرارًا للكفر وإغراءً للكافر أن يبقى على كفره، ويشترك معها في المعنى الترحم على الكفار، والصلاة عليهم، وطلب الجنة لهم؛ فذلك يغريهم بالبقاء على دينهم.
وما بعث الله الرسل، وما أُنزِلت الكتب، بل ما خُلِقت الخليقة، إلا لعبادة الله عز وجل وتوحيده، وكل ما سوى ذلك تبع.
وكل كافر على وجه الأرض، وإن عمل خيرًا، إلا أن اعتقاده بعدم الإيمان باليوم الآخر، أو أن هناك إلهًا صُلِب فحمل ذنوب الناس، أو غيرها من العقائد الفاسدة، كل هذه العقائد تحثُّ الناس بشكل ضمني على الشر؛ لأنها أخفُّ عليهم من الاعتقاد السليم أننا راجعون إلى الله، وأنه سائلنا عن كل شيء، وأن حقه سبحانه فوق كل حق.
وقال القرافي في «الفروق» (4/260)، وهو يعدد صور الدعاء التي تكون كفرًا: "فالذي ينتهي للكفر أربعة أقسام: (القسم الأول) أن يطلب الداعي نفي ما دل السمع القاطع من الكتاب والسنة على ثبوته وله أمثلة:
(الأول) أن يقول اللهم لا تعذب من كفر بك أو اغفر له، وقد دلت القواطع السمعية على تعذيب كل واحد ممن مات كافرا بالله تعالى لقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] وغير ذلك من النصوص فيكون ذلك كفرا؛ لأنه طلب لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به وطلب ذلك كفر فهذا الدعاء كفر.
(الثاني) أن يقول اللهم لا تخلد فلانا الكافر في النار، وقد دلت النصوص القاطعة على تخليد كل واحد من الكفار في النار فيكون الداعي طالبا لتكذيب خبر الله تعالى فيكون دعاؤه كفر".
- هذا النقل استفدته من بعض الإخوة -
بداية سورة العنكبوت وآخرها في خطبة ابن الزبير
جاء في موطأ مالك: "3341- عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار؛ أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن".
بالأمس، وأنا أقرأ سورة العنكبوت، تذكرت هذا الأثر، ففي بدايتها: {ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}.
تأمل قوله تعالى: {يفتنون}، هنا اسم الفاتن الذي ذكره ابن الزبير.
وفي آخرها قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
تأمل {لنهدينهم}، هنا اسم الهادي.
غير أنه سبحانه قال: {لنهدينهم}، ولم يقل: (يُهدَون)، كما قال: {يفتنون} دون تسمية الفاعل أو نسبة الفعل للمتكلم، وذلك أن الفتنة فيها معنى الاختبار، لا أنها الإضلال خاصة كما ظنه بعض المتأخرين، والاختبار عنده ترتعد الفرائص وترتجف القلوب، فجاء قوله سبحانه: {لنهدينهم} مطمئنًا، وفيه توكيدات تزيد الطمأنينة.
فجاءت لام القسم، وهي من المؤكدات، فلم يقل: (نهديهم سبلنا)، بل قال: {لنهدينهم}، والنون الزائدة في {نهدينهم}، وأصلها (نهديهم)، تفيد التوكيد، إذ إنها نون التوكيد أيضًا، وما زاد في مبناه زاد في معناه.
ثم قوله: {وإن الله لمع المحسنين}، فهذا كقولك، ولله المثل الأعلى: (سأعينك في اختبارك)، وجاء فيها توكيد.
ورأس المجاهدين المحسنين جد ابن الزبير، أبو بكر الصديق رضي الله عنهم.
فهو الذي نزل فيه قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22].
وذلك في إحسانه لمسطح بن أثاثة في القصة المعروفة.
ونزل فيه قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر».
وظهرت معالم الهداية في ثباته عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حروب الردة، وما وقع له من توفيق عظيم في الحادثتين.
وقوله سبحانه: {سبلنا}، وسبيل الحق واحد، كأن فيه إشارة إلى أبواب الخير أو أبواب الجنة، وأيضًا هذا يذكر بالصديق، فهو الذي يُدعى من أبواب الجنة كلها.
قال البخاري في صحيحه: "2841- حدثني سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل هلم"، قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكون منهم»".
وقوله: «لا توى عليه» يعني لا خوف عليه ولا ضياع، وهذا معنى الطمأنة المستفاد من قوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين}.
فتدبر.
جاء في مقال «حديث في التوحيد في غير مظانه»:
«كل من يستغيث بميت هو مثبت له علم الغيب ضرورة، وليس هذا مناط الحكم بالشركية الوحيد، ولكنه أحد الأوجه.
فإن الميت غائب غير حاضر ضرورة، فنداؤه يقتضي اعتقاد أنه يعلم الغيب، ولا مخرج من هذا إلا بادعاء حضورهم في كل زمان ومكان، وهذا أعظم شركية، أو بدعوى أن الله أعطاهم هذه القدرة، ولو ادعى مدعٍ أن الأصنام هياكل لأرواح الصالحين التي فيها هذه القدرة لما كانت دعواه أبعد عن القبول من دعوى من يدعي هذا في القبور والمقبورين.
وسبحان الله رب العالمين، بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فيتركونه ويكون كل همهم الاستغاثة بالأموات، وهم الذين يصلون على النبي وآله ويعلمون أن الله عز وجل يسمع هذه الصلاة ويؤجر عليها، ثم يتبعون هذه الصلوات التي هي دعاء للنبي وآله بدعائهم، ويختفي ذكر الله عز وجل.
ولو نظرت في استغاثاتهم وما يقولونه في أهل البيت والأولياء وحذفت أسماء الأولياء وجعلت مكانها اسم الله لاستقام الكلام.
وهنا يظهر الفرق بين التوسل بصالح — وهو غير مشروع ولكن لا يصل للشرك — كقولك: اللهم أسألك بحق فلان، هنا الدعاء لله وإنما المخلوق متوسل به، وأما دعاء غير الله كقولهم: مدد يا فلان، يا فلان انصرني، فهنا اختفى ذكر الله تمامًا».
ثم نقل من كتاب «التوحيد» للصدوق عن الصادق:
«الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من هو دونه، وتقطع الأسباب من جميع ما سواه... المغيث إذا استغيث، والمجيب إذ دعي».
وفيه أنه سأل رجلًا:
«هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم. قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئًا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم. قال: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث».
قال الشيخ الخليفي:
«فهنا معصومهم يعرِّف رب العالمين بأنه الذي يستغاث به عند انقطاع الرجل من كل أحد، وعليه: فإن من استغاث بغيره في الملمات التي ينقطع فيها الرجاء من كل الأسباب الحسية فقد جعله شريكًا لله عز وجل، وهذا صريح القرآن: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}».
عبد الله بن فهد الخليفي
من مقال: «حديث في التوحيد في غير مظانه» باختصار
٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ
❞والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين❝.
إمام الدعوة الإصلاحية، محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله.
#مرتضى_منصور
#الزمالك
الكنيسة الأرثوذكسية المصرية: فكرة اللاطائفية فكرة لا عقلانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية هي أشهر الكنائس العربية، وقد حصل لهم غزو من البروتستانت، الحركة الإصلاحية، وهم من يُسمى بالإنجيليين، وقد تأثر بهذه الدعوة كثيرون؛ لأنها دعوة آتية من الغرب، إذ إن الإنجيليين هم غالبية النصارى في أمريكا.
وقد انبرى المدافع الشرس عن الكنيسة الأرثوذكسية في مصر حلمي القمص يعقوب للرد عليهم، وبيان أن كنيستهم ليست بحاجة لحركة إصلاح، وذلك من خلال كتاب أسماه «يا إخوتنا البروتستانت، هلموا نتحاور».
وقد بنى كتابه على عدة أفكار رئيسية، أولها:
أن الوضع الأوروبي مختلف عن وضع مصر، وأن الكنيسة الأرثوذكسية مختلفة عن الكنيسة الكاثوليكية التي ثار عليها مارتن لوثر؛ فكنيسة مصر لا علاقة لها بالسياسة، ولم تدخل الدين على الدولة، كما أنها لم تصنع صكوك غفران، ولم تخض حروبًا باسم الكنيسة، وما أحرقت أحدًا حيًّا كما كان يفعل الكاثوليك.
ثم ذكر أن حركة الإصلاح الكنسي نفسها حصل منها تجاوزات كثيرة، وأنهم قتلوا ودمروا وأحرقوا، وأحدثوا الفتن العظام في أوروبا، مما مهد الطريق للعلمانية.
وأنهم إلى اليوم، بسبب طابعهم الاحتجاجي، مضرب مثل في كثرة الانقسامات؛ ففي مصر فقط لهم أكثر من خمسين كنيسة، كل واحدة تضلل الأخرى، وقد زارها حلمي واحدة واحدة، متعرفًا عليها وعلى مواطن الاختلاف بينها وبين الأخريات، وذكر أنه في أمريكا يوجد لهم أكثر من 400 كنيسة، لكل واحد منهج مختلف.
وقد ذكر في مقدمة الجزء الثاني ما يلي:
«واسمح لي يا صديقي أن أنقل لك أحاسيسي قبل كلماتي.. فبينما أجول من مكان إلى آخر، وأنتقل من طائفة إلى أخرى، كنت أتجرع مرارة العلقم.. فها الحسرة تحسرني، والدوار يلفني، والغثيان يأخذ مني مأخذًا.. ما هذا..؟!
إنها مذاقة الانقسام.. انقسام الجسد.. جسد المسيح الواحد.. أيها الإنسان المسكين، هلا ذهبت تلتمس خلاصًا في بيت الانقسام..؟ وهل تطمع في السلام والهدوء والراحة لروحك المسكينة..؟ لن تجد إلا الحيرة والبلبلة والتيهان والصراعات الضارية وبرودة الموت والخراب.. عفوًا يا عزيزي، فهذه ليست تعبيراتي، ولكنها تعبيرات كبار قادة الكنائس الإنجيلية.. انظر إلى ما يقولون:».
ثم سرد كلامهم.
وحقيقةً لا تتعاطف كثيرًا مع الكنيسة الأرثوذكسية، فإن الكنيسة الإنجيلية تسجل عليها الرمي بالوثنية بسجودها لغير الله وغيرها من المحدثات.
وبعيدًا عن هذا كله، سأسجل اعترافًا هامًّا للكنيسة الأرثوذكسية تذكر فيه عدم إيمانها بمبدأ اللاطائفية، بل واعتباره لا عقلانيًّا، وقد ذكر هذا حلمي القمص يعقوب مقرًّا له.
جاء في رسالة إلى الإخوة البروتستانت «تعالوا لنتحاور» ما يلي:
صدر تحت هذا العنوان «بيان للشعب الأرثوذكسي» من كلية البابا كيرلس السادس اللاهوتية، والكلية الإكليريكية، في يونيو سنة 1962، جاء فيه:
«لا زال عدد من الأقباط الأرثوذكس الأبرياء يترددون على جمعيات خلاص النفوس، اعتقادًا منهم أنها جمعيات روحية تهدف إلى أغراض بحتة، وأنها على زعم قادتها جمعيات لا طائفية..!!
ونحن نعجب لأمر هذه الجماعة التي تصر على إنكارها لبروتستانتيتها، وتتستر تحت اسم لامع جميل هو "خلاص النفوس"!
لا شك أن غاية إيماننا المسيحي هو خلاص النفوس، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وهذه الغاية التي تعمل من أجلها كنيستنا الأرثوذكسية منذ إنشائها إلى اليوم.. لأنه إذا لم يكن خلاص النفوس هو غايتنا فباطل هو إيماننا، وباطل هو تعليمنا، وباطل هو سعينا وجهادنا في طريق الكمال المسيحي.. إذا لم يكن خلاص النفوس هو هدفنا وهدف الكنيسة الأسمى والأول، فلماذا دشنت الكنائس وأقيمت المذابح ورفعت القرابين..؟! ولماذا أقام الرب في الكنيسة خدامًا للكرازة والتعليم من أساقفة وقسوس وشمامسة..؟! ومهما يكن من أمر، فإن جمعيات خلاص النفوس تنادي بمبدأ هدام ومهلك، هو مبدأ اللاطائفية الأثيم.!
علينا تمشيًا مع منطق اللاطائفية أن نلغي من المسيحية كل عقائدها وكل طقوسها، ذلك لأن الكلام عن أي عقيدة مسيحية يجرح قومًا من المنطوين تحت لواء جمعية خلاص النفوس اللاطائفية..!
إن اللاطائفية مبدأ غير طبيعي؛ لأنه من غير المعقول أن لا يكون للإنسان عقيدة يؤمن بها ويدافع عنها، ويحيا بها وفيها ولها، ويمارس سلوكه طبقًا لها بشعوره الواعي أو باللاشعور، وحتى اللاطائفيون أنفسهم من جمعية خلاص النفوس لا بد أن تكون لهم عقيدتهم، حتى لو كانت هي اللاطائفية..؟!
واللاطائفية تقتل الصراحة في الحق والجرأة في الإيمان.
واللاطائفية.. تتطلب من الإنسان أن يطوي عقيدته في نفسه، ولا يجاهر بها ولا يدافع عنها، ويكتمها كأنها أمر مخجل يدعو إلى التخبئة والتستر.
واللاطائفية دعوة إلى مسيحية ناقصة.. إن جمعية خلاص النفوس تدعو الناس إلى التوبة أو إلى الخلاص كما تدعي، فهل تستطيع أن تشرح لأتباعها طريق الخلاص أو طريق التوبة..؟! إنها لا تستطيع.. لأنها إذا أبانت للخاطئ أن يمارس الاعتراف ويتقدم للتناول فقد وقعت في مأزق..! فإذا قالت إن الاعتراف يكون أمام الله فقط فقد نادت بعقيدة بروتستانتية.. وإذا قالت إن الاعتراف يكون على يد الكاهن أمام الله فقد نادت بالمبدأ الأرثوذكسي..! ولذلك فإنها تكتفي بكلام ناقص عن التوبة، وإن كان يعد كاملًا من وجهة النظر البروتستانتية.
ومما يؤكد بروتستانتية هذه الجماعة أن وعاظها ينادون في الناس أن يقفوا إذا كانوا قد خلصوا، فيقف من يقف ويبقى جالسًا من لم يخلص بعد..! وهو هو بعينه الأسلوب السائد عند بعض الطوائف البروتستانتية، والتي تنكره الكنيسة الأرثوذكسية وجميع الكنائس الرسولية التقليدية.
ولا يمكن لجمعية خلاص النفوس، تمشيًا مع منطق اللاطائفية، أن تتكلم عن التناول من الأسرار المقدسة؛ لأنها إن قالت إنه جسد الرب ودمه فقد أعلنت الحقيقة الأرثوذكسية، وإن قالت إنه رمز فقد كشفت عن بروتستانتيتها، ولذلك لا بد لها من أن تهرب، فلا تتكلم عن التناول مع أهميته وضرورته للحياة الروحية.
كما يستحيل على جمعية خلاص النفوس، تمشيًا أيضًا مع دعوتها اللاطائفية، أن تتكلم عن التقليد أو عن الصوم أو عن رسم علامة الصليب، ولا تستطيع أن تستخدم آيات الكتاب المثبتة لأي عقيدة أرثوذكسية، ولا يمكن أن تسمح لواعظ فيها أن يتكلم عن السيدة العذراء وفضائلها وبتوليتها الدائمة، وأنها والدة الإله، ولا يمكن أن يتناول في حديثه شيئًا عن الاتجاه إلى الشرق في الصلاة، ولا عن شفاعة القديسين التوسلية للأحياء وللراقدين، ولا يمكن أن يشير إلى الهيكل أو المذبح أو الحجاب، ولا للصور المقدسة، ولا إلى القداس. وبالإجمال، لا يمكن أن يعرض في حديثه جملة أو تفصيلًا لشيء من العقائد والطقوس، إنها في نظر اللاطائفيين رجس وشر يبعد الناس عن الخلاص..!!
ولعل أخطر من هذا كله أن يفهم الناس أنهم في غير حاجة إلى تلك العقائد والطقوس، وحينئذٍ تكون اللاطائفية قد جرتهم إلى عقيدة بروتستانتية من أعلى طراز..!
وأيًّا كان القول، فإن الأرثوذكسي لا يقبل أن يصير لا طائفيًّا أو مائعًا بين المذاهب..! ولا يسمح لنفسه أن يتستر وراء اللاطائفية، ولا يطيق أن يتنكر لعقيدته وإيمانه، ولا يستسيغ أن يفصل نفسه عن الأرثوذكسية الصريحة بجميع عقائدها وطقوسها وتقاليدها..!
إذًا فجمعية خلاص النفوس البروتستانتية بدعوتها اللاطائفية لم تخسر أو تفقد شيئًا.. أما الأرثوذكس الذين خدعوا بدعوتها، فهم الذين قد خسروا وخسروا كثيرًا جدًّا.. هي لم تخسر لأنها بروتستانتية.. وليس يضرها، بل ومن مصلحتها، أن تستبعد من مواعظها وممارستها كل العقائد الأرثوذكسية وكل الطقوس الأرثوذكسية؛ لأن ما سيبقى بعد ذلك هي العقائد البروتستانتية والطقوس البروتستانتية.
أتريد الدليل على أن جمعية خلاص النفوس لا تخسر شيئًا بدعوتها إلى اللاطائفية، وأن الأرثوذكس وحدهم هم الخاسرون.. تأمل اجتماعات هذه الجماعة.. تأمل صلواتهم وترانيمهم وأنغامهم في ترانيمهم.. تأمل كيف يبدأون اجتماعاتهم، وكيف يختتمونها.. تأمل ترتيب المكان الذي يجتمعون فيه.. تجده بروتستانتيًّا في تصميمه وفي كل ما يجري في داخله.. إنه مبنى لا طائفي بحسب دعواهم، ولكنه بروتستانتي حقًّا لا غش فيه.. ليس فيه هيكل أو مذبح، وليس له نظام بيت الرب أو الكنيسة.. ليس أرثوذكسيًّا.. ولا هو كاثوليكيًّا.. إنه بروتستانتي بالطبع.. فهل هو حقًّا لا طائفي كما يزعمون..؟ ألا ترى أنه طائفي من طراز بروتستانتي أصيل..؟!
أتريد الدليل على أن جمعية خلاص النفوس جمعية بروتستانتية وليست لا طائفية كما هي تدعي..؟ الدليل في مواعظهم وفي كتبهم التي يصدرونها ونشراتهم التي يوزعونها.. إنها مؤلفات بروتستانتية صحيحة في أسلوبها وفي صياغتها وفي منهجها وفي مفهوماتها، بل أيضًا في مصطلحاتها التي تعبر بها عن روحيات المسيحية.. إن كتاباتهم تكشف عن عقيدتهم وعن روحهم البروتستانتية التي تشبعوا بها.
هكذا نقول لأتباع جمعية خلاص النفوس: لستم لا طائفيين، إنكم بروتستانت.. فإن لهجتكم تظهركم وتدل عليكم.. مهما أنكرتم وأصررتم على الإنكار، فليست العبرة بدعواكم، ولكن بما تبطنون.. وما تبطنون تكشف عنه كتاباتكم ومواعظكم ولهجتكم في الحديث وفي الكتابة، وفي المصطلحات التي تستخدمونها.
ولتزعم جمعية خلاص النفوس ما شاءت أن الأرثوذكس يحضرون اجتماعاتها، فهل تستطيع أن تزعم أنها أيضًا تضم الكاثوليك مثلًا..؟ بالطبع أنها لا تجرؤ على هذا الادعاء، ولا يتبقى معها أو فيها إلا قليل جدًّا من البروتستانت، ومعهم عدد كبير جدًّا من أبرياء الأرثوذكس الذين لم يكونوا قبلًا عالمين بحقائق ديانتهم، واقفين على مبادئ كنيستهم، فاستهوتهم دعوة اللاطائفية الهدامة، ولو عرفوا لما قبلوا أن يتركوا كنيستهم وينطووا تحت لواء هذه الجماعة البروتستانتية المقنعة بقناع "اللاطائفية" المزعوم..!
هل تستطيع جمعيات خلاص النفوس أن تنكر الحقائق الآتية:
أولًا: أن الخدام الرسميين المعينين في جمعية خلاص النفوس وفروعها كلهم من البروتستانت..؟!
ثانيًا: أن الذين يديرون فعلًا جمعية خلاص النفوس كلهم من البروتستانت، إلا قلة مخدوعة من بين من يسمون أنفسهم بالأرثوذكس، وليسوا بأرثوذكس على الحقيقة.
ثالثًا: أن جمعية خلاص النفوس تعقد اجتماعاتها في المناطق الآهلة بالكنائس الأرثوذكسية.
رابعًا: أن جمعية خلاص النفوس تبذل جهودًا جبارة في افتقاد أولاد الكنيسة الأرثوذكسية في بيوتهم والإلحاح عليهم بضرورة حضور اجتماعات جمعيتهم.
خامسًا: أن الذين يُدعون إلى الوعظ في جمعية خلاص النفوس كلهم من البروتستانت.. أيها الأقباط، ليس لدينا أدنى شك على الإطلاق في أن جمعية خلاص النفوس جمعية بروتستانتية صحيحة، مهما تسترت بستار اللاطائفية الأثيم..! وليس لدينا أدنى شك في أن هدف جمعية خلاص النفوس هو محاربة الكنيسة الأرثوذكسية وإبعاد الأقباط عن كنيستهم بطريقة خادعة غير ظاهرة.
أيها الأقباط:
إن جمعية خلاص النفوس البروتستانتية تدعوكم بأسلوب ناعم أملس إلى أن تتركوا كنيستكم وتهملوا عقيدتكم.. فاحذروا هذه الجماعة، وافضحوا دعوتها.. واقطعوا شركتكم معها.. وامنعوا أولادكم وأقرباءكم وأصدقاءكم من حضور اجتماعاتها، وادرسوا عقيدة كنيستكم الأرثوذكسية، فهي كثيرة، وكونوا راسخين في إيمانكم الأقدس، واثبتوا على ما تعلمتم من الآباء ومعلمي الإيمان الأرثوذكسي المسلَّم للقديسين من رب المجد مخلّصنا يسوع المسيح».
وفي الموقع، عند سرد مجمل مخالفاتهم للبروتستانت:
«26- يؤمنون بحرية العقيدة وتنوعها:
فكل إنسان له الحق في أن يعتقد ما يشاء، ويعلم بما يشاء، وينشر ما يشاء من معتقدات، دون سلطة كنسية تمنعه، فهم لا يؤمنون بالسلطة الكنسية، ومن هنا نشأت عشرات المذاهب البروتستانتية، تختلف فيما بينها في كثير من العقائد، وإن كان يضمها إطار عام في بعض النقاط. ويقولون إن هذا لون من التعدد Plurality، يثري فكر الكنيسة! وكأنه لا يلزم أن يكون للكل إيمان واحد (رسالة أفسس 5:4)».
وهناك مقاطع كثيرة منتشرة تنص على عدم دخول بعض طوائف البروتستانت أو كلها للملكوت عند شنودة أو غيره من كبار قساوسة مصر، بل خذ هذه:
قال حلمي القمص يعقوب، وهو يخاطب أحد البروتستانت:
«م 10: تذكر أن جميع الأطفال حتى وإن كانوا غير مسيحيين فهم مختارون للملكوت (هل يمكن دخول الملكوت بدون الإيمان بالمسيح والمعمودية..؟)».
فهو هنا، باستنكاره، ينبه على عقيدته أنه بدون معمودية أو إيمان بالمسيح لا يمكن دخول الملكوت! حتى للأطفال، بل سمعت أحد كبار قساوستهم يقول إن الطفل الذي يموت قبل أن يُعمَّد لا يدخل الملكوت؛ لأن الخطيئة الأصلية لازمة له.
وذكر في لقائه مع قسيس الكنيسة الخمسينية:
س: وما رأيك في معمودية الأطفال..؟
ج: الحقيقة أن معمودية الأطفال غير صحيحة، لذلك الكنائس الإنجيلية في الخارج لا تعمد الأطفال.. أما الكنائس الإنجيلية في مصر فقد أخذت بما هو متبع في مصر، فعمدت الأطفال.. الأرثوذكس يقولون إن الطفل الذي يموت من غير معمودية يدخل الملكوت ولكنه يكون أعمى!! هذا تخريف؛ لأن المسيح يفتح أعين العميان، كما أن الأطفال أبرياء.. وفي الكنيسة الأرثوذكسية يعينون أشبين لكي يربي الولد، لا الولد يتربى ولا الإشبين أصلًا متربي».
ولم يعلق هو بشيء.
ميخائيل مكسي إسكندر: «120 سؤالًا وجوابًا عن أسرار الكنيسة السبعة»، الجزء الثاني، مكتبة المحبة، صـ31، 32.
[سـ118: لماذا يجب تعميد الأطفال، رغم أنهم يكونون قاصرين عن إدراك الإيمان كما يقول البعض؟
(1) ليس هناك نص كتابي يمنع تعميد الأطفال، بل يلزم تعميدهم في أقرب وقت ممكن، خوفًا من مرضهم وموتهم فجأة.
(2) وأنهم دون المعمودية لن يدخلوا ملكوت السماوات. فهي ضرورية للجميع، بدون استثناء، للخلاص. (مر 16: 16)، (يو 3: 5).
(3) إن الأطفال يرثون الخطية الجدّية مثل الكبار تمامًا.
(4) من التشابه بين الختان والمعمودية. وكان الختان علامة للدخول في عهد مع الله، وأن الطفل كان يُختن في اليوم الثامن من ميلاده، والختان رمز للمعمودية (كو 2: 11-13).]
وقال البابا شنودة الثالث: «اللاهوت المقارن» (الجزء الأول)، الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس، صـ33:
[البروتستانت لا يُعمِّدون الأطفال، إصرارًا على لزوم الإيمان قبل المعمودية، واعتمادًا على قول الرب: «من آمن واعتمد خلص» (مر 16: 16)، وأيضًا اعتمادًا على أن الطفل لا يدرك ماذا يحدث في المعمودية. فكيف تتم المعمودية بدون إيمان وبدون إدراك؟! هذا رأيهم. أما نحن فنصر على معمودية الأطفال للأسباب الآتية: حرصًا منا على أبدية هؤلاء الأطفال؛ لأن الرب يقول: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 3: 5)، فكيف يمكن أن نمنع عنهم العماد فنعرضهم لهذا الحكم الإلهي الذي لم يحدث أن الرب استثنى منه الأطفال حينما قال هذا.]
وبناء على ما مضى، لا نجد نصرانيًّا يتم سؤاله: هل تعتقد أن المسلم الذي يدافع عن بلدك يدخل الملكوت؟
ولا نجد أحدًا يسأل: هل تعتقد أن الخوارزمي والزهراوي وكل مخترعي المسلمين لن يدخلوا الملكوت؟
ولا نجد أحدًا يسألهم: هل تعتقد أن أطفال سورية الذين يُقتلون تحت القصف الروسي الذي باركته الكنيسة هناك سيدخلون الملكوت؟
وقد سئل الأنبا بيشوي عن الطوائف المسيحية الأخرى: هل تدخل الملكوت؟ فأجاب: «مش داخلين»، وهذا في تسجيل مشهور موجود على اليوتيوب.
وإن كان شنودة يجيب بأجوبة سياسية في هذا الباب، ومع ذلك هو كفّر شهود يهوه وقال: ليسوا مسيحيين.
وجاء في مؤتمر تثبيت العقيدة ما يلي:
«فما فائدة الكرازة المسيحية وتضحية الرسل بحياتهم؟ من أجل ماذا يكرزوا إذا كان الوثنيون وغير المؤمنين وغير المعمدين سوف يدخلون السماء؟ وما فائدة المسيحية؟ هذا تلاعب بالأفكار».
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نداء عاجل إلى عموم كنائس الأردن!
استجابةً للحماسة العظيمة التي ظهرت في الأردن من طرف بعض رعايا الكنائس لتطوير (تحريف) فهم الإسلام، حتى لا يُمنع «مواطن» من دخول الجنّة بسبب معتقداته الدينيّة، حتى وإن خالف ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة: 72]، أدعو من هذه المنصّة الإلكترونيّة الكنائس والطوائف النصرانية الإحدى عشرة المعترف بها رسميًّا في الأردن إلى البراءة من تاريخها الديني الذي شكّلته المجامع الكنسيّة الأولى، والذي تكرّر فيه الحكم على المخالفين من النصارى بالحرمان ἀνάθεμα (Anathema)، وهو في أغلب الأحيان: الحرمان من الجنّة، كما هو الحال مع آريوس، ومن ذلك مجمع نيقية الأوّل (325م) الذي قرّر حرمان من أنكر أزليّة يسوع أو قال إنّه مخلوق من الجنّة لأنّه مهرطق.
ولمّا كان المواطن الأردني المسلم أبعد عن عقائد هذه المجامع من مخالفي الكنيسة من داخلها، فإنّه يقول بالبشريّة الصرفة لعيسى عليه السلام، فقد وجب، بصورة عاجلة وبلا تردّد ولا تلعثم، إظهار البراءة من هذه المجامع وأحكام الأناثيما فيها، وإدانتها بالإقصائيّة، وإعادة صياغة مفاهيم الخلاص Soteriological Concepts بصورة لا تعترف بخصوصيّة الإيمان الكنسي.. فالجنّة للجميع!
في انتظار سقوط الأناثيما، علامةً على حسن النيّة منكم، قبل أن تسألوا المسلمين أن يغيّروا دينهم لتكون الجنّة بصكوك الغفران الشعبويّة!
رسالة إلى:
1. كنيسة الروم الأرثوذكس.
2. الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية.
3. كنيسة الأرمن الأرثوذكس.
4. كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك.
5. الكنيسة الإنجليكانية (الأسقفية).
6. الكنيسة المارونية الكاثوليكية.
7. الكنيسة الإنجيلية اللوثرية.
8. كنيسة السريان الأرثوذكس.
9. كنيسة الأدفنتست السبتيين.
10. الكنيسة الخمسينية المتحدة.
11. الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الحسن البصري والذب عن معاوية رضي الله عنه
قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة [٥/ ٣٦٨]: حدثنا شيبان، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن الحسن، قال: قلت: يا أبا سعيد، إن ناسًا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار. قال: «لعنهم الله، وما يدريهم أنهم في النار».
ورواه الآجري في الشريعة [١٩٥٧] من طريق عبد الرحمن بن المبارك عن أبي هلال، وفيه: «عن قتادة قال: قلت للحسن». فبان أن السائل قتادة.
وأبو هلال الراسبي فيه لين، وقد تُكلّم في روايته عن قتادة خاصة. غير أنه لم ينفرد بهذا المعنى عن الحسن.
فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق [٥٩/ ٢٠٦] من طريق ابن شاهين، بإسناده إلى بشر بن المفضل، عن أبي الأشهب، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن ها هنا قومًا يشتمون - أو يلعنون - معاوية وابن الزبير. فقال: «على أولئك الذين يلعنون لعنة الله».
وأبو الأشهب جعفر بن حيان العطاردي ثقة من أصحاب الحسن، وبشر بن المفضل ثقة ثبت. وفي الإسناد إليهما الحسين بن أحمد بن بسطام، روى عنه ابن شاهين وغيره، ولم يُذكر فيه توثيق صريح.
فهذان مخرجان متباينان، قتادة من جهة وأبو الأشهب من جهة، يتفقان على أن الحسن كان ينكر الشهادة على معاوية بالنار وينكر لعنه.
وأما ما يُنسب إلى الحسن في ذمّه فلا يثبت منه شيء:
- خبر «أربع خصال كنّ في معاوية» من رواية أبي مخنف، وأبو مخنف متروك.
- وخبر «ويل لمن قتل حجرًا» في إسناده أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، قال ابن عدي: كذّبوه.
- وخبر «أفسد أمر الناس اثنان» ذكره الذهبي معلّقًا، وفي إسناده زحر بن حصن، وهو مجهول.
- وحديث «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» رواه عمرو بن عبيد عن الحسن، فقال أيوب السختياني: «كذب عمرو» [تاريخ دمشق ٥٩/ ١٥٧].
- وأما ما يتداوله بعضهم بلفظ: «أول من قطع أمر هذه الأمة معاوية، لأنه حين ولي أمرها جعلها ملكًا عضوضًا»، فلا يُعرف له إسناد ولا مصدر قديم.
فلا يترك ما جاء عن الحسن من طرق يشد بعضها بعضًا، ويتعلق بما رواه المتروكون والكذابون طعنًا في أصحاب النبي ﷺ، إلا من في قلبه مرض. نسأل الله السلامة والعافية.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
ثم إن القول بأن ولاية معاوية كانت مُلكًا ليس طعنًا فيه عند أهل السنة. قال ابن تيمية: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكًا ورحمة» [مجموع الفتاوى ٤/ ٤٧٨].
ومن جعل ذلك سبيلًا إلى الطعن فقد سبقه إليه قوم، وأجابهم الإمام أحمد. روى الخلال في السنة [٦٥٩] عن أبي الحارث قال: وجّهنا رقعة إلى أبي عبد الله: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا؟ قال أبو عبد الله: «هذا قول سوء رديء، يُجانَبون هؤلاء القوم، ولا يُجالَسون، ونبيّن أمرهم للناس».
وروى الخلال أيضًا [٦٩٠] عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا له داخلة سوء. قال رسول الله ﷺ: خير الناس قرني».
وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: «معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه» [تاريخ بغداد ١/ ٢٠٩، وتاريخ دمشق ٥٩/ ٢٠٩].
ولهذا أدخل أهل السنة الذب عن معاوية في كتب الاعتقاد. فعقد الخلال في السنة بابًا عنوانه «ذكر أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان وخلافته». وفيه أن قومًا قالوا: لا نقول معاوية خال المؤمنين، فغضب أحمد وقال: «يُجفَون حتى يتوبوا». وأفرد الآجري في الشريعة كتابًا لفضائل معاوية، وأورد فيه أثر الحسن هذا.
وفي صحيح البخاري [٢٧٠٤] في خبر الصلح أن الحسن قال في معاوية: «وكان والله خير الرجلين»، يعني أنه خير من عمرو بن العاص لكراهته القتال.
#آثار_الصحابة #مناقب_الصحابة #الحسن_البصري #معاوية_بن_ابي_سفيان
هي أكثر الوحي فكيف نستهين بها؟
قال ابن تيمية -رحمه الله- في «شرح الأصبهانية»:
«والتحقيق أن الخبر يدل أيضًا على أنه متكلم، كما أن الأمر يدل على ذلك، والرسل يبلغون عنه تارة الأمر والنهي، وتارة الخبر؛ إما عن نفسه وإما عن مخلوقاته، فيبلغون خبره عن نفسه بأسمائه وصفاته، وخبره عن مخلوقاته بالقصص، كما يبلغون الخبر عن ملائكته وأنبيائه، ومن تقدم من الأمم المؤمنين والمكذبين، ويبلغون خبره عما يكون في القيامة من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، بل ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره، والخبر في القرآن أكثر من الأمر».
تأمل قوله: «ما تبلغه الرسل من خبره أكثر مما تبلغه من أمره».
هذه العبارة الجليلة من الشيخ نحتاج أن نقف معها في هذه الأيام، فإن كثيرًا من الناس يستهينون بالأخبار الغيبية الواردة عن الله وملائكته ورسله وكتبه وخلق السماوات والأرض وغيرها من الأمور، بحجة أن هذه لا يترتب عليها عمل، فيكتفون فيها بالإيمان الإجمالي ويكرهون الإيمان التفصيلي.
ولا يفرقون بين الإيمان التفصيلي المستفاد من النصوص وفضول الكلام والمباحث الكلامية الفاسدة.
علمًا أن رد المباحث الكلامية الفاسدة هو من صيانة الإيمان.
وبعضهم إذا قرأ قول بعض أهل العلم في كراهية المسائل التي لا يترتب عليها عمل، يدخل في ذلك مسائل الغيبيات الكبرى التي تنازع فيها أهل الملة، وكفّر بعضهم بعضًا أو ضلّل بعضهم بعضًا، أو عموم مسائل الغيبيات التفصيلية، كمسائل الأسماء والصفات والقدر وما يسمى بالسمعيات (الإيمان بعذاب القبر، والحوض، والميزان، والصراط ونحوها).
وليس الأمر كذلك، فالعمل في لسان أهل العلم يطلق على العمل بالجوارح، وكذلك العمل القلبي، والإيمان بالغيب محمود في النصوص، وهو من ضمن العمل القلبي.
ومن الناس من يحصر المسائل المهمة بالمسائل ذات المتعلقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجتمع المسلم والكافر في اعتبارها مسائل مهمة، غير أن للمسلم فيها مذاهب تختلف عن مذاهب الكافر.
وكثير من أهل الجهل يفترضون الفصل بين الإيمان الغيبي والعمليات، أو الفصل بين العمليات مثل الصلاة والنذر ونحوها، والعمليات ذات المتعلقات الحقوقية، كمباحث علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الزوج بالزوجة، وعموم الأمور الأسرية والاجتماعية والصحية النفسية والبدنية.
وليس الأمر كذلك، فكله متداخل. فكلما زاد إيمان الإنسان بالغيب، كان ذلك أدنى لاستقامة عبادته العملية.
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109].
فربط سبحانه بين إيمانهم بالغيب وخشوعهم في الصلاة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
وهنا ربط بين استقامة العبادة واستقامة المعاملات مع الناس.
وقد يعتقد المرء اعتقادًا فاسدًا فيحبط عمله، كما قال ابن عمر للقدرية متوعدًا لهم: «لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا، فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر».
واليوم بلغت الجرأة في بعض الناس أن يستهينوا بالأبحاث الشرعية المتعلقة بأعظم عبادة، وهي عبادة الصلاة، كأبحاث الطهارة والمسح على الخفين.
وبعض الناس يريدون أن يأخذوا من الغيبيات الجانب الوعظي فحسب، دون النظر إلى جانب الرد على المخالفين والمبطلين الذين كفروا بهذه الغيبيات أو حرفوها.
وكل هذه مسالك فاسدة تخالف ما كان عليه السلف الصالح، وهم أنصح الناس وأحرصهم على ما في الكتاب والسنة، وأعلمهم بما تدل عليه من معانٍ.
يقول المستشرق إميل درمنغم في كتابه «حياة محمد» ص٣٣٠:
«وما أكثر ما في القرآن والحديث من الأمر بالتسامح، وما أكثر عمل فاتحي الإسلام بذلك، ولم يروِ التاريخ أن المسلمين قتلوا شعبًا، وما دخول الناس أفواجًا في الإسلام إلا عن رغبة فيه».
أقول: هو هنا يقارن مقارنة خفية بين صنيع النصارى في تنصير الأفارقة والسكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، وما فعله قسطنطين حيث أقام النصرانية بالسيف وقتل من خالفه، وما فعلوه في إسبانيا مع المسلمين.
وليس معنى هذا أن يُعامَل غير المسلم معاملة المسلم من كل وجه، وإنما المقصود عدم إجبار الناس تحت تهديد السيف على الإسلام، كما حصل في الأمثلة السابقة في النصرانية، ثم لا يستحون من إلصاق الأمر بالإسلام.
ويقول غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب» ص١٣٤:
«لم تقل براعة الخلفاء الراشدين السياسية عن براعتهم الحربية التي اكتسبوها على عجل، فقد اتصلوا منذ الوقائع الأولى بسكان البلاد المجاورة الأصليين الذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة… فكانت الطريق التي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يحجمون عن حمل أحد بالقوة على ترك دينه، وعرفوا كيف يبتعدون - خلافًا لمزاعم الكثيرين - عن إعمال السيف فيمن لم يُسلم».
وقد عبّرت المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري عن ذلك بقولها في كتاب «دفاع عن الإسلام» ص٢٢:
«لا يزال العقل البشري يقف ذاهلًا دون اكتشاف القوى السرّية التي مكّنت جماعة من المحاربين الجفاة من الانتصار على شعوب متفوقة عليها تفوقًا كبيرًا في الحضارة، والثروة، والخبرة، والقدرة على شن الحرب. ومن أدعى الأمور إلى الدهشة أن نلاحظ كيف استطاع أولئك الناس أن يحتلوا تلك المناطق كلها».
أقول: كلامها سليم غاية، والأمر فعلًا كان آية من آيات الله تبارك وتعالى.
وليس معنى ما أشاروا إليه أن دعوة غير المسلمين لم تكن من أولويات الخلافة، ولكن بالترغيب والترهيب دون إكراه محض.
ودعوى بعض الجهلة أن الجزية هي سبب إسلام أولئك الناس سخيفة غاية؛ لأن الجزية كانت تُراعى فيها مقدرة الإنسان، ولا تؤخذ من النساء. فتَرْكُ الإنسان لعقيدته التي هو مستيقن بها من أجل مبلغ مالي يقدر عليه، لينتقل لدين أيضًا فيه التزامات مالية ربما تكون أعظم، مع التزام بالجهاد بالنسبة للرجال؛ عملٌ لا يُقدِم عليه عاقل أو شخص مستيقن بما هو عليه أصلًا.
والنصارى في عامة كتاباتهم يفخرون بثباتهم في زمن الاستضعاف أمام الوثنيين، ويؤرخون لمن يسمونهم شهداء ممن قُتلوا بسبب اعتقادهم في المسيح في زمن تسلط الوثنيين عليهم.
وتقول أيضًا في ص٤٠:
«كيف نفسر مواصلة الإسلام - على الرغم من الحرية الدينية الممنوحة في البلدان الإسلامية للمواطنين غير المسلمين، ومن فقدان أيما منظمة تبشيرية حقيقية - تقدُّمَه الحثيث في آسية وأفريقية في وجه الانحطاط العام الذي أصاب الفكرة الدينية في السنوات الأخيرة؟ إن أحدًا لا يستطيع اليوم أن يزعم أن سيف الفاتح هو الذي يمهد السبيل أمام الإسلام، على العكس، ففي الأصقاع التي كانت في يوم من الأيام دولًا إسلامية، تولت مقاليد السلطة حكومات جديدة تنتسب إلى أديان أخرى، وعملت في أوساط المسلمين طوال فترات عديدة منظمات تبشيرية قوية، ومع ذلك فإن الحكومات وتلك المنظمات لم توفق إلى زحزحة الإسلام وإقصائه عن حياة الشعوب الإسلامية. أي قوة عجيبة تكمن في هذا الدين؟ ».
أقول: هذه النقولات من منطلق الإلزام، وإلا فعامة المستشرقين - حتى من يقال عنهم من المنصفين - لا يفهمون الإسلام فهمًا جيدًا، ولا يدركون محاسنه وتفاصيل كلام الفقهاء إدراكًا يصل إلى الدرجة المتوسطة؛ لأن غالب انطباعاتهم يأخذونها من الحدث التاريخي فحسب مع العجمة.
ولكن أذكر هذا لبيان أن هناك حقائق لا يقف قِبالها إلا مكابر لوضوحها غاية.
* * *
وفي طور الاستبسال في الدفاع عن الاحتفال بما يسمى رأس السنة الميلادية، كتب أحدهم أن عيد ميلاد ابن الإله هو يوم ٢٥ ديسمبر، وهو العيد الديني الذي لا يجوز مشاركته، أما يوم ٣١ ديسمبر فهذا أمر تحتفل به كل الأديان لأنه نهاية العام الميلادي!
وهكذا يحاول أن يُظهر أن الاحتفال بيوم ٣١ ديسمبر لا علاقة له بالنصرانية، وأنه احتفال عام.
ويا ليت شعري، متى احتفل المسلمون بهذا اليوم قبل الاستعمار؟
يوم ٣١ ديسمبر عيد مسيحي (نصراني) خالص، وانتشر بفعل الهيمنة الغربية، واسمه عندهم (يوم القديس سلفستر).
وهو عندهم يوم وفاة هذا القديس، وإليك من هو:
يُعدّ القديس سلفستر بابا روما في الفترة ٣١٤ - ٣٣٥م، وهي الفترة التي بدأ فيها تمكّن النصرانية في الإمبراطورية الرومانية.
أما الحدث الأبرز في فترة هذا البابا فهو مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، حيث تم الحكم على قس الإسكندرية آريوس، مؤسس المذهب الآريوسي، بالهرطقة؛ حيث خالف آريوس بقية الكنائس بقوله إن الإله الابن «يسوع» لا يساوي الآب، وليس أزليًّا مثله (ومع ذلك هو مولود قبل كل العصور، والله أعطاه اسمًا فوق كل الأسماء وهو اسمه، لذا هو إله).
وقد كان للقديس سلفستر دور مهم فيما يُعرف بالأزمة الآريوسية، مع أنه لم يحضر المجمع وأرسل نائبين عنه.
وتقول الأسطورة إن القديس سلفستر هو من قام بتحويل القديس قسطنطين إلى النصرانية وتعميده بعد أن «شفاه» بمعجزة من مرض الجذام.
وبالمقابل زعموا أن الإمبراطور قدّم ما يسمى بـ«منحة قسطنطين»، وهي وثيقة مزوّرة باعتراف مؤرخيهم أنفسهم، وهي عبارة عن تنازل عن التفوق الروحي على البطريركية الشرقية وكل مسائل الإيمان والعبادة، وكذلك الهيمنة الزمنية على روما والعالم الغربي بأكمله.
وتنصُّر قسطنطين هو السبب الرئيسي في انتشار النصرانية في الغرب؛ لأنه فرضها هناك.
قال شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٥/٩٥) ردًّا على قولهم بانتشار الإسلام بالسيف فقط:
«ويقال للنصارى: أنتم ما زلتم مقهورين مغلوبين مبددين في الأرض، حتى ظهر قسطنطين وأقام دين النصرانية بالسيف، وقتل من خالفه من المشركين واليهود. لكن أظهر دينًا مبدلًا مغيرًا ليس هو دين المسيح عليه السلام».
فيوم ٣١ ديسمبر عيد ديني محض، ولهذا خلّدوه باسم القديس الذي يزعمون أنه نصّر قسطنطين، وكان الأخير سببًا في انتشارها في الغرب، ولعلّ اجتماع ذكرى هذا القديس مع نهاية العام السابق وبداية العام الجديد جعله عندهم كنوع من الرمزية لانتهاء عهد الاستضعاف وبداية عهد القوة والتمكين.
وهذا الكاتب يخدع نفسه أم يخدعنا؟ فالناس ليس فقط يهنئون، بل يحتفلون وكأنه عيد خاص بهم.
ثم لا تجدهم يحتفلون بالأعياد الوطنية لديار أخرى ولو كانت على نفس العقيدة والدين (حفظًا لمقتضيات حدود سايكس وبيكو)، وغاية أمره أن يهنئ فقط، وهذا إنما يقع من أفراد (هذا مع بغضنا للجاهلية الوطنية، ولكن الأمر للإلزام)، ثم بعد ذلك يحتفل بأعياد النصارى خاصة.
والطريف أن يوم القديس سلفستر تحتفل به الكنائس الغربية فقط في يوم ٣١ ديسمبر، وأما الكنائس الشرقية فتحتفل به يوم ٢ يناير، وعامة الناس عندنا اختاروا قول الغربيين إمعانًا في الانبطاح.
وتجد المرء مقاطعًا لإخوانه المسلمين في قضايا شخصية، وربما بعض أرحامه، ويمر عليه العيد والعيدان والثلاثة من أعياد المسلمين وهو مقاطع لهم، ثم هو بعد ذلك يجادلك في تهنئة النصارى بأعيادهم.
This quoted post is unavailable.
هناك أحكامًا عديدة فيها تيسير على المرأة مراعاة لضعفها، في مقابل التشديد على الرجل لقوته.
فمن ذلك أن المرأة تسقط عنها صلاة الجمعة والجماعة، في الوقت الذي يطالب فيه الرجل بذلك وتسقط شهادته بترك هذا.
ومن ذلك أن المرأة لا يجب عليها الجهاد.
ومن ذلك أن المرأة يجوز لها دفع زكاتها لزوجها الفقير، والرجل لا يجوز له ذلك؛ لأن نفقة الرجل على زوجته واجبة عليه ولا تتداخل مع واجب الزكاة. والمرأة لا يجب عليها النفقة على زوجها مهما كانت غنية وكان معدمًا، بل إذا عجز عن النفقة عليها أُلزم بالتطليق إلا أن تعفو عن حق نفسها، في مذهب سعيد بن المسيب والشافعي وغيرهم.
وإذا قتلت المرأة شخصًا خطأ فإن الدية يلزم بها عاقلتها الرجال، ولا تدفع شيئًا.
والجزية وزكاة الفطر تلزم الزوج فحسب عن أهل بيته، ولا تلزم المرأة.
ثم إن للمرأة حق المهر، وتستوجبه بمجرد خلوة الرجل بها خلوة تمكنه من جماعها وإن لم يجامعها. بل لو رماها بالزنا ولاعنها لا يأخذ من المهر شيئًا؛ لأنه بما استحل من فرجها. ولو عقد عليها الرجل ولم يدخل أبدًا فإن لها نصف المهر، ولا يجوز له أن يرتجع شيئًا مما أهداه لها.
ولها حق الحضانة في حال الطلاق ما دام الولد صغيرًا، ويجب على الرجل أن ينفق عليها طوال مدة عدتها، وإذا كانت حاملًا فطوال حملها، وإذا أرضعت له وجب عليه أن يعطيها أجرها بنص كتاب الله.
وأوجب الله عز وجل على الرجال المهر والنفقة، وحرم ضربهن في غير نشوز، وحتى بالنشوز يكون ذلك بعد الموعظة. واتفق المفسرون على أنه ضرب غير مبرح، واتفق العلماء على تحريم الضرب في الوجه.
هذا غير ما ورد في حد القذف؛ فكلمة يطلقها امرؤ في حقها توجب ثمانين جلدة في ظهره.
وهذا فرض المرأة حين كان فرض الرجال النفقة والقتال، مع ما اشتركوا فيه من الفروض.
وأما اعتبارها حق الولاية إذلالًا للمرأة فقول عجيب لم يسبقها إليه أحد من بني آدم، ولا تقول به امرأة شمت رائحة العفة.
فهي تظن أن الولاية تعني الإجبار، وليس الأمر كذلك. وإنما تكون ولاية الإجبار في حق الصغيرة التي لم تبلغ، وإذا بلغت يُجعل لها الخيار، وهذه الولاية خاصة بالوالد دون بقية الأولياء. والمرأة بكرًا كانت أو ثيبًا لا بد من إجازتها بعد موافقة وليها. وقد اتفق الفقهاء أن المرأة في حال عضل وليها لها يجوز لها رفع أمرها للقاضي.
وحديث «لا نكاح إلا بولي» عامة المحدثين على تصحيحه، ويكفي تصحيح الإمام أحمد له، وقد ثبت هذا المتن ومعناه عن جماعة من الصحابة على رأسهم عمر بن الخطاب الخليفة الراشد.
وقال الترمذي: «والعمل في هذا الباب على حديث النبي ﷺ: لا نكاح إلا بولي، عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم».
ومن حكم الولاية: أن الرجال أعرف بالرجال لكثرة خروجهم وخلطتهم مع بعضهم البعض، والرجل أقدر على استخراج الحقوق من رجل مثله، كالمهر ومثله. وإذا ابتدأ أمر الرجل مع رجل مثله كان مقام المرأة في نفسه أعظم، ويعلم أن وراءها من يحامي عنها إن ظلمها. ومعلوم في صلة الرجل مع المرأة أن الرجل أقوى جسديًا وأقدر على الظلم.
وأمر الولاية لا يعتبره ذلًا إلا صغير عقل؛ فلو كانت المرأة لا قيمة لها ولا تأثير لها في أنساب الناس لما حيطت بهذه العناية.
فإن قيل: أفلا ينطبق هذا على الرجل؟
فيقال: الرجل إما أن يكون غير مكتسب، فهذا في العادة يزوجه أبوه، وإما أن يكون مكتسبًا، فهذا يكون قد خبر الأمور. وشتان بين الحالين، حال الرجل وحال المرأة في هذا الباب، لمن تأمل.
وعمل النساء اليوم كثير منه فقط ليقولوا للغرب: ها نحن نوظف النساء! وهناك عطلة الدورة الشهرية تأخذها مرضية، وعطلة الولادة، وعطلة الرضاع؛ فالاستمرارية في العمل للمرأة مع وجود أسرة حبلها منقطع، ولا بد من الجناية على أحد الأمرين في الغالب.
ثم إننا نعلم أن المرأة الوضيئة في الأوساط الاختلاطية تحصّل بحسن وجهها ما يحصّله الرجال والنساء الأدنى منها بكد العمل، وإذا كان الرئيس في العمل فاسقًا وهي ضعيفة الدين فذاك البلاء المبين، واللبيب بالإشارة يفهم.
وأما عمل المرأة الجائز فهذا بحث طويل، ولكنه ينبغي أن يكون بغير اختلاط -إن جوّزناه- وبغير خروج طويل حتى لا يؤثر سلبًا على بيتها. ويراعى أن المرأة ليس عليها متطلبات اقتصادية تلزم بها شرعًا وعرفًا كالرجل، فهذا ينبغي أن يراعى في الرواتب.
وعالم المساواة بين المرأة والرجل عالم لا تتساوى فيه الجميلة مع القبيحة، ولا من تبذل نفسها مع العفيفة، ولا الكبيرة مع الصغيرة.
ينبغي أن يُفهم هذا جيدًا، وألا تُكابَر حقائق قطعية في نفوس بني آدم؛ فالرجل أشد ميلًا للمرأة الجميلة من القبيحة، وفي حال كشف كل واحدة منهن وجهها فلن تكون الحفاوة بالتي تميل نفس الرجل إليها كالأخرى، وهكذا.
فقبل الكلام عن فرص متساوية بين الرجال والنساء، مكابرين لكل الفوارق الجسدية والنفسية، ينبغي الكلام عن فرص متساوية بين النساء أنفسهن.
فلباس المرأة إذا كان غير محتشم فهو استجابة فقط لشهوات الذكور المتهتكين، وعلى ما يريدون يكون هذا الملبوس.
ثم إن اعتبار الرجل أفضل من المرأة بأصل الخلقة، ثم بعد ذلك يتفاضلون بالتقوى فتكون المرأة التقية خيرًا من الرجل الفاجر، قول غير مدفوع لا من جهة النظر ولا من جهة الأثر.
فكون النسب الفلاني خيرًا من النسب الفلاني، والطول أفضل من القصر، والقوة أفضل من الهزال، والحرية أفضل من الرق، والجمال أفضل من القبح، والغنى أفضل من الفقر، يكون من بابه أن الذكورة أفضل من الأنوثة.
غير أن الله عز وجل لا يحاسب الناس على صورهم، وإنما يحاسبهم على أعمالهم. وهنا قد تكون امرأة فقيرة قبيحة خيرًا من ملء الأرض من رجل وسيم غني؛ لكونها مؤمنة وهو كافر أو فاسق.
فهذه أفضلية طبعية من وجه، والأفضلية الشرعية هي الفيصل.
وأود أن أنبه إلى أن النقد الليبرالي للمجتمع يتم فيه الخلط بين قيم موروثة قبليًا لا علاقة لها بالدين، ثم إلباسها ثوب الدين. مثل كون بعض الناس لا يسمي المرأة ولا يذكر اسمها، فهذا أمر عرفي عند الناس لا علاقة له بالشرع أو النظرة الشرعية. ومنهم من يخفف في زنا الرجال دون زنا النساء، وهذا كله ذنب عظيم من النظرة الشرعية، مع أن الرجل إذا زنى فهو أفسد امرأة معه، والأمر عظيم عند الله من الرجل ومن المرأة.
وأما الاعتراض على الشرائع بعد الإقرار بصحة الوحي فليس مسلك أحد، لا فلاسفة ولا متكلمين، ولا حتى أهل الرأي الذين يدفعون بعض الأخبار بالقياس لا بمجرد التشهي. وعقول الناس تتفاوت، والعقل مع النقل كالعامي مع المفتي، أو كالمريض مع الطبيب؛ يعلم العامي أو المريض حذق الطبيب أو المفتي بأدلة، ثم بعد ذلك يسلم له قوله ولا يناقشه لأنه الأعلم.
ومن ظن من البشر أن عقله يتسع لإدراك حكمة الله كلها فهذا منتقص للرب؛ إذ كيف تكون حكمة الخالق العظيم قابلة لأن يحيط بها بشر، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ﴾.
والمنافي للعقل أن يعتقد المرء أن فقهاء خير أمة في خير القرون ضلوا، وأصاب بعض الزنادقة في زمن انتشرت فيه الإباحية والانهزامية أمام القيم الغربية.
ثم لا تظن امرأة بعد ذلك أن لها المنة على الله ورسوله، بل الله يمن عليها أن هداها للإيمان إن كانت مؤمنة حقًا.
ومن يعترض على التشريعات التي تفرق بين الرجل والمرأة فليعترض على كون المرأة تحمل وتلد وتحيض، والرجل ليس كذلك!
بل الرجل والمرأة كلاهما عبد لله، وفي ملكه يعيش، وفي نعمه يرفل، وكل منهما مكلف بأمور هو قادر عليها؛ إن فعلها كان جزاؤه الجنة، وإن خالف فكفر فمصيره النار، وإن خالف ففسق فهو تحت المشيئة.
إن العبودية لله هي الحرية الحق؛ لأنك تخرج عن كل أهواء العباد إلى ما يريد رب العباد وإن كره العباد، فلا طاعة لمخلوق في معصية خالق.
---
منقول من مقالَي الشيخ أبي جعفر الخليفي: «الرد على سهيلة زين العابدين في طعنها في أهل الحديث» (٢٠١٥)، و«المرأة مكانها البيت! » (٢٠١٦)، باختصار وتصرف يسير.
xitter.cf/m1uuxp/status/21135558…
لو طرحنا جانبًا ما في هذا الكلام من سفه وضحك وقلة أدب وتنابز، ونظرنا في مضمونه العلمي بدقة، لم نجد تحته تحريرًا!
وليس في التراجع عن الخطأ العلمي أي إشكال، بل هو منقبة لصاحبه. فالخطأ يقع من بني آدم وسيقع.
قال مجاهد: «ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك». وقال الحكم بن عتيبة: «ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ». [جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٢٥–٩٢٦]
وفي كتاب عمر المشهور إلى أبي موسى: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل». [أخبار القضاة لوكيع ١/٢٨٤]
لكن الإشكال في تحويل الأخطاء العلمية المحتملة، التي يقع فيها كل عالم مهما علا كعبه، إلى سخرية وقلة أدب وشتائم. يتصيدها المخالف المتحامل، يريد بها إسقاط خصمه الذي يخالفه في عقيدته أو منهجه، وإنما جُعلت هذه المسائل وسيلةً إلى هذا الغرض.
ثم إن هذا الضرب من الناس لا يسير على ميزان واحد. يقبل المرسل مثلًا إذا خدم أطروحته، ويرده إذا لم يخدمها. وفي ذلك أمثلة عدة ليس هذا موضع بسطها، وقد وقع شيء منها لصاحب حساب «عبّاسي سابق»، بل يحذف بعض تغريداته بعد أن يرد الناس عليه. وهذا تلاعب، لا تحقيق. ومن رأى حال هؤلاء حمد الله الذي عافاه مما هم فيه من ضلال وانحراف.
وهذه المسألة شاهد على ذلك؛ فما ضحك منه ليس خطأً أصلًا، لا في الإسناد ولا في المعنى.
قال: «الرواية لا تصح، هشام بن حسان مدلس وقد عنعن، ويوسف بن عبدة ضعيف».
وهذا الإطلاق خطأ، وبيانه من وجوه:
الأول: أقوى طرق الأثر ما رواه ابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: «لم تُرَ هذه الحمرة في آفاق السماء حتى قُتل الحسين بن علي».
وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، وقد أخرج مسلم في صحيحه بهذه الترجمة نفسها: هشام بن حسان عن محمد بن سيرين.
وليس في هذا الإسناد يوسف بن عبدة أصلًا.
وتابع ابنَ سعد عن عفان عمرُ بن شبة عند البلاذري في أنساب الأشراف. وتابع عفانَ سليمانُ بن حرب، رواه عنه يعقوب بن سفيان كما عند ابن عساكر، وإسماعيل القاضي كما عند ابن بطة.
فالأثر عن حماد عن هشام معروف من غير وجه منذ القرن الثالث. وليس خبرًا متأخرًا ظهر عند الشيعة.
الثاني: قوله «هشام مدلس وقد عنعن» تطبيق للقاعدة على غير موردها. والنقاد يفرقون بين شيوخ الراوي.
قال علي بن المديني: «أما حديث هشام عن محمد فصحاح، وحديثه عن الحسن عامتها تدور على حوشب، وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين، وهشام ثبت». [الجرح والتعديل ٩/٥٥، تهذيب الكمال ٣٠/١٨٧]
وسئل يحيى القطان: هشام في ابن سيرين أحب إليك أو عاصم الأحول وخالد الحذاء؟ فقال: «هشام». [سير أعلام النبلاء ٦/٣٥٨]
وقال مخلد بن الحسين: كان هشام إذا حدث عن ابن سيرين «سرده سردا كما سمعه، وإن كان ابن سيرين يرسل فيه يرسل فيه». [تهذيب الكمال ٣٠/١٨٥]
وهذا وصف ناقل أمين لهيئة ما سمع، وهو ضد التدليس.
ونُقل عن أبي داود أنهم إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنه كان يرسل عنهما.
وكل ما ساقه ابن حجر في «تعريف أهل التقديس» دليلًا على تدليسه إنما هو في الحسن.
ولا يُكتم ما يخالف ذلك. فقد نُقل عن شعبة أنه «كان يتقي حديث هشام بن حسان عن عطاء، ومحمد، والحسن». وأنكر أيوب على هشام ألفاظًا في روايته عن ابن سيرين. [تهذيب الكمال ٣٠/١٨٩]
لكن هذا كلام في ضبط بعض الألفاظ، لا في الاتصال. والجمهور على خلاف شعبة في هشام. ورواية هشام عن ابن سيرين من أقوى ما يُروى عنه.
الثالث: قوله «يوسف بن عبدة ضعيف» فيه إخلال، فالرجل مختلف فيه.
قال ابن معين: «بصري ثقة». وقال أبو حاتم: «شيخ ليس بالقوي، ضعيف». وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البزار: «لا بأس به». وقال ابن حجر: «لين الحديث». والمناكير التي أُخذت عليه إنما هي عن ثابت وحميد.
ثم إنه هنا لم يعنعن، بل قال: «سمعت محمد بن سيرين».
فطريقه لا يُعتمد عليه وحده في ألفاظه، كقوله «عند طلوع الشمس وعند غروبها». لكنه يعضد أصل رواية هشام.
الرابع: وصفه الخبر بأنه «رواية شيعية» عجيب. الإسناد: عفان، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن ابن سيرين. فأيهم شيعي؟ ومحمد بن سيرين لم يرمه أحد بالتشيع.
نعم، المضمون متداول في كتب الشيعة ومبالغاتهم في مقتل الحسين. لكن موافقة متنٍ لشيء يرويه الشيعة لا تحوّل إسنادًا بصريًا إلى رواية شيعية.
الخامس: قوله: «شيخك المتشيع يزعم أن الشفق الأحمر ظهر بسبب مقتل الحسين».
ولم يقل أبو جعفر «بسبب»، وإنما قال: «وقد أنكر شيخ الإسلام هذا الخبر في منهاج السنة ولعله لم يستحضر، فالسند هنا صحيح وابن سيرين أدرك تلك الحقبة».
فكلامه في ثبوت الإسناد إلى ابن سيرين، وأنه أدرك ذلك الزمان. وقوله «لعله» احتمال، لا جزم.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن ابن المطهر قال في الموضع الذي يرد عليه شيخ الإسلام: «وذكر ابن سعد في الطبقات أن الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تُرَ قبل ذلك». فقال شيخ الإسلام: «ومثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل ذلك، فإن هذا من الترهات، فما زالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس، فهي بمنزلة الشفق». [منهاج السنة ٤/٥١٧، ٤/٥٦٠]
فشيخ الإسلام لم يشتغل بالإسناد أصلًا ولم ينازع فيه، وإنما أنكر ابتداء الحمرة كما صاغها ابن المطهر. وبهذا يتبيّن أن في المسألة بحثين لا بحثًا واحدًا: ثبوت الكلام عن ابن سيرين، ومراده منه.
السادس: وأما مراد ابن سيرين، فأصل الشفق معروف منذ القدم، وعليه تدور مواقيت المغرب والعشاء، ولا ينازع فيه أحد. وابن سيرين وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان [تاريخ الطبري]، فكان يوم مقتل الحسين رجلًا قد صلى المغرب ما لا يُحصى. وهو فقيه البصرة، يرقب الشفق لمعرفة أوقات الصلاة. فكيف يُظن به أنه ينفي حمرة يراها كل مصلٍّ كل يوم؟
وإنما يتكلم عن حمرة اشتدت في الآفاق بعد مقتل الحسين، ولهذا أشار إليها بقوله: «هذه الحمرة».
ونظير هذا الشهب. قال الله تعالى عن الجن: ﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا﴾.
والرمي بالشهب كان معروفًا قبل المبعث. ففي صحيح مسلم أنهم كانوا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ «رُمي بنجم فاستنار»، فقال لهم: «ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟ ». [صحيح مسلم ٤/١٧٥٠]
ومع ذلك اشتد أمرها عند المبعث. قال معمر: قلت للزهري: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: «نعم». قلت: أفرأيت قوله: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾؟ قال: «غُلِّظت وشُدِّد أمرها حين بُعث النبي ﷺ». [المنتخب من مسند عبد بن حميد ص٢٢٨، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة]
فهذه ظاهرة تُرى في السماء، موجودة من قبل، اشتدت عند حدث عظيم، ونقلها شهود العيان. ولا يستطيع أحد أن ينكرها. وكذلك ما يُرى في السماء عمومًا، كانشقاق القمر وغيره، إنما يؤخذ من المشاهدة.
وكذلك ما ذكره ابن سيرين. فقيه يرقب الشفق، لاحظ حمرة اشتدت بعد مقتل الحسين، فسجّل ما رأى. وليس في هذا ما يمتنع عقلًا ولا شرعًا ولا طبعًا.
ويشهد لذلك ما نقله غير واحد من احمرار غير معهود بعد مقتله. روى البلاذري عن سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن أبي حصين قال: «لما قتل الحسين مكثوا شهرين أو ثلاثة وكأنما تلطّخ الحيطان بالدم من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس». [أنساب الأشراف ٣/٤١٣] وروى ابن سعد عن الأسود بن قيس: «احمرت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر»، وفي إسناده ضعف.
فالإسناد صحيح لا يُدفع، والمعنى ممكن لا يدفعه شيء. وكلام الثقة إذا احتمل وجهًا صحيحًا حُمل عليه، ولا يُكذَّب التابعي الجليل بمعنى لم يقله.
وأما القرطبي فإنما ردّ لفظ: «أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين» [تفسير القرطبي ١٦/١٤١]. وهذا لفظ تفرد به خالد بن خداش عن حماد، وخالف فيه عفان وسليمان بن حرب.
وأما شيخ الإسلام وابن كثير فإنما ردّا دعوى أن الحمرة لم تكن تظهر قبل يومئذ أصلًا. وهي الدعوى التي صاغها ابن المطهر، وعدّها ابن كثير في أكاذيب الشيعة بقوله: «وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ». وردّهما حق في نفسه، لكنه ردّ على معنى لم يرده ابن سيرين.
السابع: قوله «وقد أخبر عنها النبي ﷺ». إن أراد أن النبي ﷺ ذكر الشفق فنعم، ففي مسلم: «ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق». وإن أراد أنه صح عنه «الشفق الحمرة» مرفوعًا فلا.
قال ابن خزيمة: «ولم يثبت -علمي- عن النبي ﷺ أن الشفق الحمرة». وقال البيهقي في رفعه عن ابن عمر: «والصحيح موقوف».
وعلى كل حال فهذا يؤكد ما سبق: الشفق معروف للنبي ﷺ وأصحابه، فكيف يخفى على ابن سيرين؟
الثامن: طريق ابن عون عند ابن عساكر لا يُحتج به. ففي الطريق إليه راوٍ لا تُعرف له ترجمة، وآخر لم يُذكر بجرح ولا تعديل. ولا حاجة إليه، فالأثر قائم بطريق هشام، ويعضده يوسف.
أما الضحك والتنابز فلا يقيمان حجة ولا يهدمانها، وإنما هما دليل على قلة الأدب والسفه، وما أكثر هذا الضرب من الناس.
فمن أراد النقد فأهلًا وسهلًا، ولكن بعلم وأدب.
نسأل الله العظيم السلامة والعافية.
والعلم عند الله تعالى.
- مشرف الحساب.
اعتراف كاتب رافضي بجهد ابن تيمية في نقد المنطق واستفادة الغربيين منه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فمما يجهله كثيرون أن التقدم في بعض أبواب العلوم التجريبية الذي حصل في الغرب، كان على أنقاض المنطق الأرسطي؛ إذ لما ظهر فيهم نقاد انتقدوا منطق أرسطو وسقطت هيبته، سقطت هيبة نتائجه التجريبية أيضاً وجُعلت محلاً للبحث.
وقد وقع بين يدي كتاب بعنوان: (المفكرون المسلمون في مواجهة المنطق اليوناني نقد علماء المسلمين لمنطق أرسطو وموازنته بمنطق الفلاسفة الغربيين).
لكاتب شيعي حائز على درجة الاجتهاد اسمه مصطفى طباطبائي، وقد صنف الكتاب بالفارسية، فترجمه للعربية عبد الرحيم ملارئي البلوشي.
وفكرة الكتاب هي إحصاء ما كتب الإسلاميون - أعني المنتسبين للإسلام - في نقد منطق أرسطو، ثم ذكر ما كتبه الغربيون في هذا الباب، وإثبات أنهم مسبوقون من الإسلاميين، بل إن كثيراً منها مأخوذ مما كتب المنتسبون للإسلام.
وهذا الرافضي لم يستطع إخفاء إعجابه بنقد ابن تيمية للمنطق، مع أنه عرض لنقد غيره كابن خلدون والغزالي والنوبختي الشيعي والسيرافي وغيرهم.
قال مصطفى طباطبائي في ص89: "في القرن السابع الهجري نلتقي بمفكر كبير وقد هيأت له آثاره وأفكاره كثيراً من الموافقين والمخالفين، هذا هو أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي المتوفى 728 وقد كان آية في العلوم الإسلامية المختلفة من تاريخ وأدب ورجال وفقه وحديث وملل ونحل وكلام وحكمة وتفسير وغيرها".
حتى قال في ص91: "وبرأي المؤلف مع أن مقام ابن تيمية كان رفيعاً في العلوم الإسلامية وفوائد آثاره لا تنكر أما التسليم بأقواله تسليماً مطلقاً فغير جائز".
إلى أن قال: "من الأعمال المتميزة لابن تيمية التي تجب دراستها بعمق هو الجهد الذي بذله في رد المنطق الأرسطي وفلسفته وجهده هذا في آثاره المتعددة واضحاً وخاصة كتابه (نصيحة أهل الإيمان في الرد منطق اليونان) والكتاب المذكور طبع في الهند في عام 1368 بعنوان (الرد على المنطقيين)".
إلى أن قال: "إن الشيء الذي يثير العجب والحيرة في آثار ابن تيمية هو الإحاطة الغريبة من هذا الرجل بالآراء المختلفة للعلماء في كل فن وعلم، وخاصة لما يدخل في المنطق أو الفلسفة اليونانيين يذكرنا بقول ابن خلدون في مقدمته حيث قال: (عكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها وخالفوا كثيراً من آراء المعلم الأول".
ثم تطرق إلى نقد ابن تيمية للمنطق بعيداً عن بحث الإلهيات في عشرين صحيفة تقريباً، وكان تارة يوافق ابن تيمية، وأخرى يخالفه، وأخرى يوافقه مع تحفظ.
حتى قال في ص116: "في آخر هذا الفصل لا بد من الاعتراف أن فوائد آثار ابن تيمية في ميدان المنطق لا تحد ولا تقتصر على ما أتينا به هنا. ولا سيما كتابه بمنزلة البحر، حيث على الغواصين الأذكياء (المتطلعين) أن يجدوا فيه جواهر قيمة".
ثم تكلم في فصول متأخرة من الكتاب على نقد الغربيين لمنطق أرسطو واقتباسهم من المسلمين.
فذكر روجو بيكون، وأثبت في ص130 أنه كرر بعض حجج ابن تيمية، وكانت طريقة ابن تيمية علمية أكثر.
وذكر ديكارت، وحقق في ص134 أنه كرر بعض حجج ابن تيمية والسيرافي في نقد المنطق الأرسطي.
وذكر جان لوك، والذي أثبت أن عامة نقده هو عين نقد ابن تيمية.
وذكر بركلي، وأثبت أنه كرر بعض حجج ابن تيمية في ص139.
وأخيراً ذكر جان ستوارت.
ثم قال في ص148: "إن القراء الكرام إذا رجعوا إلى فصل نقد ابن تيمية للمنطق في هذا الكتاب سيلاحظون في نقد أبو العباس ابن تيمية عن منطق أرسطو جميع آراء استوارت ميل التي ذكرناها قبله بخمس قرون".
وهذه الحقائق المدهشة تصلح أن تُزف هدية للزنديق البهمية محمد آل الشيخ الذي يدافع عن المنطق ولا يعرف عنه إلا القليل، وما علم المسكين أن أسياده الذين ينظر إليهم كما تنظر الأمة إلى سيدها هم أيضاً أولعوا بنقد منطق أرسطو وترديد كلام شيخ الإسلام.
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
✍🏽 عبد الله بن فهد الخليفي
هذا المنطق نفسه انتقده علماء أوروبا مثل فرانسيس بيكون وانتقد غاليليو فيزياء أرسطو وكان تجاوز أفكار أرسطو والاعتماد على التجربة والملاحظة من أهم أسباب الثورة العلمية اللي خلت أوروبا تتقدم بعد قرون من هيمنة أفكار الفلاسفة الإغريق
لكن بعض الناس من العقول المتحجره إذا سمعت اسم ابن تيمية تضحك وتستخف بأفكاره لمجرد أنه عالم دين وكأن كونه عالم دين يمنعه من الإسهام في الفلسفة والمعرفة ونقد المناهج الفكرية
صوتية عامة بعنوان:
مواطنون، لا ذميون ولا معاهدون
(كلمة عن حادثة كنيسة الكرك)
الشيخ: عبد الله بن فهد الخليفي
التاريخ: الأحد ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ، الموافق ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦م.
هذا الكلام المنسوب لشيخ الإسلام غير صحيح، بل نص ابن تيمية في الموضع المذكور يدل على عكس ذلك؛ فإنه ذكر أن الجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، ثم بيّن أن أصول فرق الثنتين والسبعين عند هؤلاء السلف أربعة: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية.
فالذين وقع الكلام في إخراجهم من الثنتين والسبعين هم الجهمية، وأما الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية فهي عند هؤلاء أصول فرق الثنتين والسبعين نفسها. ثم إن هذه الطوائف ليست على مرتبة واحدة؛ فالشيعة مثلًا فيهم الغالية الكفار، وفيهم الرافضة غير الغالية، وفيهم المفضلة، كما سيأتي تفصيل ذلك في نقولات ابن تيمية.
__________
١— النقول الجامعة في أصول الفرق
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والجهمية - عند كثير من السلف، مثل عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم - ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة؛ بل أصول هذه عند هؤلاء: هم الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
وقال:
«وقال يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك: أصول الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية. فقيل لابن المبارك: فالجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ. ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة الزنادقة؟ قولان».
درء تعارض العقل والنقل (٧/١١٠).
وقال:
«فلهذا حدث أولًا بدعة الخوارج والشيعة، ثم بدعة القدرية والمرجئة، وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية، حتى قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: إن الجهمية ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، بل هم زنادقة».
شرح العقيدة الأصفهانية، ص١٩٩.
________
٢— الجهمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«بل جعلهم خلق من الأئمة - كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (٢/١٤٠).
وقال:
«فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (١٢/٥٠٢).
وقال:
«وبالجملة، فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة».
مجموع الفتاوى (١٢/٥٢٤).
________
٣— الخوارج
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة عامة في فرق الثنتين والسبعين:
«وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين. والنبي ﷺ لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار».
ثم ذكر الخوارج فقال:
«وأصحاب الرسول ﷺ - علي بن أبي طالب وغيره - لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم».
ثم قال:
«بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام».
منهاج السنة النبوية (٥/٢٤١).
وقال في حكاية مذهب الإمام أحمد:
«وأما القدرية المقرون بالعلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية، والجهمية، والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان، هذا حقيقة قوله المطلق، مع أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج، مع قوله: ما أعلم قومًا شرًا من الخوارج».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
________
٤— المرجئة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم.
ومنهم من لا يدخلها (أعمال القلوب) في الإيمان، كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو (أبو الحسن الأشعري) وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم».
مجموع الفتاوى (٧/١٩٥).
وقال في الكلام على ما يحكى عن الإمام أحمد:
«ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقًا روايتين، حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك، وليس الأمر كذلك».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
وقال أيضًا:
«وأما المرجئة، فلا تختلف نصوصه أنه لا يكفرهم؛ فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٥-٤٨٦).
_______
٥— الشيعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«والشيعة هم ثلاث درجات».
١. الغالية
قال:
«شرها الغالية: الذين جعلوا لعلي شيئًا من الإلهية، أو يصفونه بالنبوة، وكفر هؤلاء بين لكل مسلم يعرف الإسلام، وكفرهم من جنس كفر النصارى من هذا الوجه».
التسعينية (١/٢٦٣).
وقال:
«وحدثت أيضًا الشيعة، منهم من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، ومنهم من يعتقد أنه كان إمامًا معصومًا نص النبي ﷺ على خلافته، وأن الخلفاء والمسلمين ظلموه، وغاليتهم يعتقدون أنه إله أو نبي، والغالية كفار باتفاق المسلمين».
جامع المسائل (٥/١٥٧).
٢. الرافضة
قال:
«والدرجة الثانية، وهم الرافضة، المعروفون كالإمامية وغيرهم: الذين يعتقدون أن عليًا هو الإمام الحق بعد النبي ﷺ بنص جلي أو خفي، وأنه ظلم ومنع حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر، ويشتمونهما».
التسعينية (١/٢٦٤).
وقال في الروافض غير الغالية، حاكيًا مذهب الإمام أحمد:
«وأما القدرية المقرون بالعلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية، والجهمية، والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان، هذا حقيقة قوله المطلق».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
٣. المفضلة من الزيدية وغيرهم
قال:
«والدرجة الثالثة: المفضلة من الزيدية وغيرهم: الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة - وإن كانت باطلة - فقد نسب إليها طوائف من أهل الفقه والعبادة، وليس أهلها قريبًا ممن قبلهم، بل هم إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة؛ لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي، والنزاع الأول أعظم».
التسعينية (١/٢٦٤).
وقال:
«وكذلك الشيعة المفضلون لعلي على أبي بكر لا يختلف قوله أنهم لا يكفرون؛ فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضًا، وإن كانوا يبدعون».
مجموع الفتاوى (١٢/٤٨٦).
— مشرف الحساب.
This quoted post is unavailable.




















