أمين اليافعي (@elyafaee) header
أمين اليافعي (@elyafaee) profile picture

"غيبُ هذا الحديث ِ خافٍ والرّمزُ فيه مُتجافٍ وإنما نُدندِن حول هذه المعاني" التوحيدي

Berlin
Joined June 2021
Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)
الكتاب متاح للتحميل على موقع المركز تقديم تتناول هذه الدراسة ظاهرة الحركة الحوثية من منظور تاريخي-أنثروبولوجي، وتنطلق من نقد القصور المنهجي في الأدبيات السائدة التي تختزل الحركة في نموذج الوكيل الإيراني أو الميليشيا المسلحة، مُسقِطةً مفاهيم العلاقات الدولية على بيئة تحكمها شروط بنيوية موروثة من ألف عام من الإمامة الزيدية والتنظيم القبلي الانقسامي. تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي حدٍّ يمكن تفسير نشأة الحركة الحوثية واستمرارها وفهم تحولاتها بالاستناد إلى الإرث التاريخي للإمامة الزيدية والبنية القبلية، بدلاً من اختزالها في نموذج الوكيل الإيراني؟ وتحاجج الدراسة بأن الحوثيين فاعل تكيّفي تاريخي التشكّل، نشأ في تقاطع الإرث الإمامي والبنية القبلية وفشل الدولة الجمهورية، ويُعيد تعريف علاقته بالرعاة الخارجيين وفق أجندته المحلية أولاً. وتعتمد الدراسة مقاربةً وصفيةً تحليليةً تركيبيةً تستند إلى أدوات علم الاجتماع التاريخي والأنثروبولوجيا السياسية، وتُعالج ستة محاور بنيوية تاريخية في جذور الحركة قبل الانتقال إلى تحليل بنية العلاقة الإيرانية-الحوثية وإشكالية نموذج الوكيل. وتخلص الدراسة إلى أن الحركة الحوثية ليست قابلة للاختزال في مقولة واحدة؛ فهي في آنٍ واحد: امتداد وظيفي لإرث الإمامة الهاشمية، وتمرد نموذجي يتكرر عبر تاريخ اليمن، وأيديولوجيا هجينة تجمع الزيدية بخطاب الثورة والمقاومة، وفاعل تكيّفي يُوظّف الدعم الإيراني دون أن يذوب فيه. ومن ثَمَّ فإن أي تسوية سياسية مستدامة في اليمن تستلزم معالجة هذه البنى الداخلية لا الاكتفاء باستهداف الدعم الخارجي. democraticac.de/?p=110502
4
2
1
33
7,680
في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١).
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
12
وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
51
ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
92
ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
70
أشهر وصف للشاعر الكبير البردوني "الغزو من الداخل"، وعدّه أشد وأفدح أنواع الغزو، ويعني به اغتيال القضايا الوطنية من الداخل.
84
وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧).
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
62
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثاني) أمين اليافعي ٣ نوفمبر ٢٠٢٦ وعلى المستوى الأوسع، يمكن تقويض حالة التوازن القائمة على معادلة «التضاد المتكافئ» عن طريق كبح قوةٍ بقوى مقابلة عبر التضامن والأحلاف. ووفقاً لهذا النموذج البنيوي، تتصارع القطاعات النَسَبية المتكافئة في مستويات النزاع المحلي الأدنى، لكنها تتكتل هرمياً في تحالفات أوسع عند مواجهة التهديدات الخارجية. ويخلق هذا الهيكل حالة من التوازن الديناميكي تمنع أي فرع قبلي مفرد من فرض هيمنة دائمة على الفروع الأخرى، لكنها ليست قانوناً آلياً يجعل الانساب وحدها تُحدد الاصطفافات؛ فالمصالح والخصومات والتاريخ المحلي تُعيد رسم حدود التعاون. كما أن وجود مؤسسات عرفية مستقرة يمنع اختزال النظام في انقسامات تتجمع للحرب ثم تتلاشى (دريش، ١٩٩١، ص٢٥٦؛ براندت، ٢٠١٧، ص ١٦–١٧). ويتشكل نمط الحكم من تفاوض مستمر ومتغيّر بين مراكز قوى متداخلة، لا من فراغ ينتظر قدوم الدولة. وتُشير بعض الدراسات مثلاً إلى كيف اندمجت القبيلة في مرات مع مهام الدولة، وأبرزها مهام حماية الحدود، لكن هذا الاندماج لم يَسِر بطريقة خطيّة تطوريّة من «البدائية/التنظيم البدائي» إلى «المواطنة/التنظيم الحديث»، فكما شَهِد تقارباً، شَهِد أيضا انقطاعاً أو استقلالاً (جينغريش، ٢٠٢١، ص ٩٥-١٠٧). وهكذا يكون النظام السياسي حصيلة توزيع قابل للتفاوض لوظائف التمثيل والجباية والحماية والفضاء العام؛ قد يتكامل في العرف والشريعة وأجهزة الدولة، وقد تتنازع اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها على نحوٍ شديدٍ. وليس توازن القوى عدالةً تلقائية، لكنه يُفسِّر إمكان رفض الأفراد استبداد شيخهم دون رفض نظام المشيخة أو النظام العرفي، وقبول خدمات الدولة مع مقاومة الإخضاع الانتقائي وإلغاء الضمانات. ومع إن نظام رعاية الحكام لشيوخ القبائل لم تبدأ بعد ١٩٦٢، لكن المفارقة أن الجمهورية التي لم تنتصر إلا بدعم القبائل خلال الحرب، ثم بالمصالحة بين قبائل الجمهوريين والملكيين وسّعت الموارد والعطايا والمجالات أمام القبائل، لا سيما في عهد صالح. غير أن منح الرُتب والمخصصات والمناصب والعقود جعل بعض المشائخ أقل اعتماداً على الاعتراف المحلي وأكثر ارتباطاً بالممول السياسي، وأكثر انشغالاً بالصراعات والتنافسات الفردية داخل مراكز القرار، وفي عاصمة الدولة. ولم يكن تمكين الشيخ يعني، وبصورة تلقائية، وكما يُفترَض وفق مبدأ التضامن الأخلاقي القبلي، تمكيناً لقبيلته بالضرورة، فقد يغتني هو بطريقة لا حدود لها فيما تظل قراه بدون خدمات أساسية ومؤسسات دولة فعالة، خصوصاً القضاء. وفي أحسن الأحوال قد يقوم بالوساطة لبعضٍ من أبناء قبيلته للحصول على فُرصٍ أو فرصٍ أفضل وترقيات في مؤسسات الدولة، لكنها تظل حلقة صغيرة لا يترتب عليها تأثير كبير على المجموع، فالانشغال بالمناصب والتجارة يؤدي بالمقابل إلى إضعاف وظيفته كوسيط وضامن، وهي وظيفة لا غنى عنها، بل هي أهم وظيفة أو دور اُنتدب فيها كشيخ قبيلة، في وسط لم تنتظم معاملاته وعلاقاته على إجراءات مستقرة بذاتها ومكتوبة، خصوصاً في وضع الاختلاف والنزاع، ودور الشيخ يُساهم كثيراً في منح الأعراف القبلية المتعلقة في الفصل بين المتنازعين الانتظام والفاعلية. وعند غياب الوساطة الفعّالة، مع عدم وجود مؤسسات دولة أو مؤسسات دولة فاعلة، وتعطّل القضاء، أسهم في شيوع ثارات منفلتة من ضوابط العُرف. وليست هذه الفوضى دليلاً على صورة القبيلة الشائعة في سرعة انتشار الثأر والعنف، بل على تفكيك مؤسسات ضبطها التقليدية، دون توفير بدليلٍ موثوقٍ. وكان جانب مهم من المشكلة هو الاستثمار في تأجيج الخلافات بين الخصوم المحليين من قِبل النظام السياسي/القبلي نفسه عوضاً عن حسمها لاعتقاده بإن استمرار حال التنازع يمنع من تشكّل مركز قوة أو قوى معارضة قد تواجهه مستقبلاً، وهو يفهم جيداً سعي القبائل الدائم والحتمي إلى تشكيل فضاء يقوم على التكافؤ والمعارضة المتوازنة. في هذه الفراغ ترسّخ الحوثي في صعدة باعتباره بديلاً ممكناً، ومستفيداً من النزاعات المحلية والتفاوتات التي غذاها نظام المحاباة، ومن المظالم التي راكمتها الحروب، ساعين منذ زمنٍ سابقٍ لنشوء الحركة الحوثية إلى تقديم خدمات وساطة وتدخلات لفض النزاعات المستعرة. ونظراً لعدم توفّر الأدلة الكافية سوى محاولة القراءة بأثر رجعي على ضوء النتائج اللاحقة، لا أدري هل هي استراتيجية مقصودة ومبكّرة لاستعادة نظام الإمامة في سعي الهواشم إلى الارتباط – عن طريق الزواج - من قبائل قوية في أوقات ضعف الإمامة طلباً للحماية واستعادة بناء النفوذ من الداخل، وربما بعد ١٩٦٢ وما تعرضت له مكانة الأسر الهاشمية بات هذا الدافع مضاعفاً. وقد لاحظ جينغريش هذه الظاهرة بقوة في صعدة بعد ١٩٦٢، وأطلق عليها «الزواج الارتقائي» -hypergamous marriage(جينغريش ١٩٨٩، ص ٨٠؛ براندت، ٢٠١٧، ص١٤٠-١٤١). كانت اثنتين من زيجات بدر الدين الحوثي من القبائل، منها زوجته الأولى والدة حسين. وكان وجود بدر الدين الحوثي بين القبائل، وقربه منهم، وطريقة عيشه البسيطة التي تُشبههم مقارنة مع حياة شيوخ القبائل المختلفة تماماً بعد حالة الطفرة الكبيرة المُصاحبة بالتعالي على أقرانهم إلى درجة أن بعض أفراد القبيلة ممن كانوا يقصدون شيخهم في قصره المُهيب بالعاصمة صنعاء أو بعاصمة المحافظة على أقل تقدير، ويتحملون عناء وتكاليف السفر والإقامة، ينتظرون شهوراً وقد تصل إلى أكثر من سنة لمجرد مقابلته بشكلٍ سريعٍ ، وطلب منه التدخل في أمرٍ طارئ، كوقف نزاعٍ عنيفٍ لا يحتمل التأجيل على سبيل المثال، وقبل هذه الطفرة كانت تحتفظ ذاكرتهم بأن أمر الوصول إلى شيخ القبيلة متاح في كل وقتٍ وحينٍ كجزء من واجباته الأساسية ضمن مبدأ التضامن والتكافل المتبادل تجاه أفراد قبيلته. ومن منظور مبدأ المساواة القبلية كان لهذا البعد تأثير كبير على علاقة أفراد القبائل بشيوخهم. استثمر بدر الدين الحوثي وجوده بين القبائل لتقديم خدمات الوساطة المفقودة، خصوصا منذ انتقاله إلى ضحيان، ثم بعدها إلى مران (جديرٌ بالملاحظة هنا، أنه بعد مقتل حسين الحوثي حدث خلاف حول الأحق بخلافته، وعندما صار للحركة أنصاراً كُثراً، واشتد عودها، حسم بدر الدين الأمر لصالح عبد الملك الذي كان ما زال شاباً، وفي ترتيب متأخر بين إخوانه، ووالدة عبد الملك هاشمية).
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الأول) غلب على معظم المقاربات المحلية عن القبيلة اليمنية النظر إليها من خارجها، واختزالها في مجموعة من التصورات التنميطية. فظهرت في هذه المقاربات كطورٍ متخلفٍ وبدائيٍّ من أطوار التطور التاريخي في مسار بناء الدولة الحديثة، وعائقاً شرساً أمام التحديث، وبقايا فوضوية تنتظر سلطةً تضبطها، عوضاً عن دراستها بوصفها بنيةً من التنظيم الاجتماعي، وفضاءً يُنظِّم الحقوق والالتزامات والحماية بين افراده والآخرين. ولعل من أكثر هذه التصورات فداحةً التعامل مع القبائل وكأنهم قبيلة واحدة، تحكمها الظروف ذاتها، وتتطور بالكيفية نفسها، وبالتالي تستجيب بالطريقة نفسها للمحفزات الداخلية والخارجية، فتكون النتائج والمواقف متشابهة على مستوى القبائل كوحدات جماعية أو على مستوى افراد كل قبيلة. فالاشتراك في لغة الشرف والتحكيم لا يلغي اختلاف الشروط الاقتصادية والسياسية والمؤثرات الخارجية فضلاً عن تاريخ العلاقة الداخلية بالحكم وآليات انتقال المشيخة وما يُولِد من تنافس وتضامن. تُتيح مرحلة ما قبل وما بعد ١٩٦٢، والطريقة التي توزعت بها الانحيازات القبلية، اختبار هذه المقاربة على نحوٍ جيّدٍ. وتُظهِر خريطة الاصطفافات أن القبائل لم تكن «ملكية» أو «جمهورية» بطبيعتها. فقبل الثورة تداخلت معارضة الإمام مع مطالب إصلاح حكمه، ولم تكن كل معارضةٍ انحيازاً جمهورياً؛ وقد حشد الأمير الحسن قطاعات من حاشد لنصرة أحمد عام ١٩٤٨، بينما غدت قيادتها بزعامة الشيخ عبد الله الأحمر ركناً أساسياً في المعسكر الجمهوري بعد الثورة. وخلال حرب ١٩٦٢ – ١٩٧٠ استند الملكيون إلى قوى من بكيل وخولان بن عامر، لكن بكيل لم تكن جبهةً واحدةً؛ إذ وقف بيت أبو لحوم من نهم مع الجمهورية، بينما انحاز رجال من قبيلتهم إلى الملكيين. وفي صعدة شكّلت قطاعات واسعة من وائلة سنداً للإمام، بينما برز شيوخ من سحار، على رأسهم آل مجلي وشويط، في الصف الجمهوري. وانقسمت رازح على نفسها؛ ساند شيخها على أحمد العزام الملكيين، وأيد سليمان الفرح من النظير الجمهوريين. وهكذا قطعت الاصطفافات حدود الاتحادات والقبائل، وأحياناً الأسرة، وتداخل فيها الاعتقاد بشرعية الإمامة مع مظام الرهائن والتنافس على المشيخة والتحالفات والموارد والدعم الخارجي. ولم يكن رفض التدخل المصري مطابقاً دائماً لرفض الجمهورية على سبيل المثال، غير أن تعدد الدوافع لا يساوي تقلباً اعتباطياً، فعلى عكس الشائع كان هناك استقرارٌ نسبيٌّ لكثير من الولاءات المحلية خلال الحرب، خلاف استثناءات محدودة، وبما يُناقض الصورة الرائجة عن القبيلي الذي يُبدل معسكره بدون ضوابط (أوبالانس، ١٩٩٠، ص ٨٦–٨٩، ١٤٣–١٤٤؛ دريش، ١٩٨٩؛ برانت، ٢٠١٧، ص ٤٤–٥٢). فمحفزات كل قبيلة، والشروط الخارجية سواء في السياق اليمني أو المحفزات الإقليمية والدولية في فترة تحوّلت فيها دعاوي ومشاريع «الاستقلال من الاستعمار والتحرر من الاستبداد» إلى لاهوت سياسي عَرّض الأنظمة التقليدية لتحديات كبيرة (يُشير عبد الله بن حسين الأحمر إلى أن اللحظات التي قضاها في الحديث مع شخص جاء من عدن وكان مبعوثاً إلى والده من الأستاذ النعمان سنة ١٩٤٦ كانت بمثابة «غزو سياسي»، على حد تعبيره، وربما قَصَد هنا غزوا فكرياً، مذكرات الشيخ عبد الله الأحمر ٢٠٠٨، ص٣٤). ولو أخذنا أسرة آل الأحمر كنموذج، ولأسبابٍ عديدةٍ، أبرزها الدور الكبير الذي لعبته قبل وبعد الثورة. فقبل الثورة، وتحديداً العام ١٩٥٩، أعَدَم الإمام أحمد شيخ مشايخ حاشد حسين بن ناصر الأحمر وابنه حميد، واعتُقِل عبد الله، الذي سيخرج من سجن المحابشة مع سقوط الإمامة، بعد شكوكه بقيادة حميد تمردات قبيلة وخوفه من حركة لإسقاطه (مواقف القبائل من حركة حميد تباينت، فبعض من عارضوه هم من معارضي الإمام في الوقت نفسه). وتروي مذكراته كيف سُلِّم أخوه حميد بعد ضمانات قبلية، وكيف دخل والده صنعاء بأمان، ثم انتهت الضمانات إلى الاعتقال والقتل. ومن منظور القبيلة، لم يكن ذلك اعتداءً على أسرة نافذة فحسب، بل مساساً بقيمة «الوجه» وبقدرة الضمناء والوسطاء على حماية من استجار بهم. ومن ثم يمكن فهم البعد الثأري بوصفه طلباً لاستعادة اعتبارٍ انتهكته السلطة، لا انفعالاً شخصياً منفصلاً عن أصول ممارسة القبيلة للسياسة، وقد لخّص الشيخ عبد الله ذلك بكثافة: "كان الشعور لدى قبائل حاشد مشائخ وأفراد أنهم مسئولون عن حماية الثورة وأن الثورة ثورتهم، وهذا الإحساس تولد لدى حاشد نتيجة لما أصيبوا به وما نالهم من الإهانة والمعاناة، كل هذا أوجد عندهم شعور أن الثورة ما قامت إلا كرد فعل رسمي وشعبي، ومن أهم عوامل قيامها هو ما حلّ بحاشد ومشائخها" (الأحمر، ٢٠٠٨، ص ٦٥–٧٣، ٧٩–٨٢، ٩٣). ومع إن رواية المذكرات، وفي مواضعٍ أخرى عديدةٍ، لا تختزل الانحياز إلى تأييد الثورة، والوقوف في صف الجمهورية، في عامل الثأر فحسب، إذ تُشير إلى أسباب متراكمة كرفض نظام الرهائن والإذلال والتطلع إلى تغيير شروط الحكم، إلا أن المقارنة بعام ١٩٤٨ تكشف أن العداء للإمام تحكمه شروطاً غير مستقرة، كما لا ينتج هذا العداء ثقةً تلقائيةً بخصومه. ينقل الشيخ الأحمر عن عبد الله فيشي وهو رسول قادة حركة ١٩٤٨ أن والده عندما قرأ الرسالة علّق: "والله إنهم أسوأ من بيت حميد الدين، وبيت حميد الدين أشرف من هؤلاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، كنّا ننتظر الفرج فإذا بها تأتي بما هو أسوأ" (المذكرات، ص ٤٨). ومع إنه لا يَصِح تعميم موقفه على بقية شيوخ القبائل وأفرادها أو إلى رده إلى سبب الجهل أو عدم المعرفة الكافية بمشروع «الحركة الدستورية» واختلافها عن حكم بيت حميد الدين الذي اعدموه بعد عقدٍ من الزمن، كان الشيخ حسين الأحمر في تلك اللحظة في صدد التعامل مع معضلتين قائمتين؛ مطالب الإمام أحمد الذي يحتجز أبنه الكبير (حميد) كرهينةٍ بحشد القبائل ضد حركة ١٩٤٨ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى معلومات ترددت عن قيادة الإمام الجديد (الوزير) بقيادة حملة عسكرية لإخضاع حاشد، ولذلك فبالنسبة لشيخ حاشد فالبديل قد حَمَل مشروع قسرٍ كسابقه، وربما أسوأ لأن الجديد لم يكتف بأخذ الرهائن، بل باستباحة حِمى القبيلة، والأرض بالنسبة للقبيلي عِرض (الأحمر، ٢٠٠٨، ص ٤٣، ٤٧–٤٨). لفهم هذه الحسابات الدقيقة في عملية التفاوض حول بناء التحالفات والولاءات والانحيازات، ينبغي البدء من فهم «القبيلة» ذاتها بوصفها نسقاً للسلوك والمسئولية، والتزاماً مستمرأ بمعايير محددة ومنضبطة، لا مجرد انتساب جينالوجي عائلي أو عصبية قائمة على الدم، وكما اعتدنا على رؤيتها. والهُوية تُقرّ وتُكتسب من خلال الفعل، والالتزام بالسلوك الأخلاقي، واحترام القوانين العرفية، وأداء الواجبات الجماعية. فالقبيلة، في مناطقٍ واسعةٍ، جماعة إقليمية مستقرة، وتنتظم بالقرابة والجوار والأحلاف والتكافل. وشرف القبيلي لا يستنفده الاستعداد للقتال فحسب، المهمة التي يُكرِّس لها حياته ومنذ نعومة اظافره؛ بل يشمل بالتوازي أو بجانب ذلك الوفاء بالكلمة والضيافة والصدق والالتزام بالأعراف، وقد يكون قبول التحكيم والتعويض أرفع شرفاً من إدامة المواجهة. والتنافس بين القبائل حقيقيّ، لكنه منضبط بهذا التكافؤ - تنافسٌ بين أنداد، تقيس كل جماعة نفسها على الأخرى، دون أن تعلو إحداها على الأخريات بصفة دائمة ضمن معادلة «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» (دريش، ١٩٨٩، ص ٣٨ - ٦٥؛ أدرا، ٢٠٢١، ص ٢١–٣٤). والقانون القبلي يقوم على اعترافٍ ضمني بالمساواة الأخلاقية، وتُفهم المساواة باعتبارها ادعاءً بالأهلية والكرامة بين أفراد القبائل، لا تطابقاً في الثروة والنفوذ. فالشيخ، في التصور المعياري القبلي، مُتقدّمٌ بين نظراء متساويين، ولا يمكن قبول التفاوت نظرياً، وإن كان في الواقع العملي قائماً على نحوٍ ما، لكنه يظل محل رفض ومقاومة. وصحيح ان اشتراط الخبرة والعدالة والقدرة على التفاوض والاقناع تؤخذ في الاعتبار عند اختيار الشيخ وتقييم أدائه، دون أن ينفي من جهة أخرى استمرار أُسر المشيخة ومواردها المتوراثة، وسرديتها حول الأحقية، لهذا يصبح الشعر والزوامل والتشاور أدوات سياسية في غاية الأهمية، لا مجرد زينة للمناسبات. والتنافس على المكانة لا يناقض التعاون دائماً؛ فقد يُحفِز التنافس على إظهار الكرم والوساطة والإقدام، لكنه قد ينقلب إلى استقواء حين تنفصل القيادة عن القرار الجماعي، وتنفصل الموارد عن رقابة الجماعة. والقبيلة كوحدة اجتماعية جماعية لا تستطيع، بطبيعة الحال، ضبط كل مجالات الحياة؛ فالتصرف بالملكية والتجارة والتعبير الشخصي يتيح منافسة دائمة، واستقلالاً لا يُقاسان بمعايير التضامن العام، لذلك ينبغي التمييز بين الالتزام الجماعي وطموحات الأفراد والموارد التي تمكنهم من منافسة القادة، وهي العوامل التي تؤدي إلى إعادة هندسة مواقع السلطة داخل القبيلة، كما تُميّز كل قبيلة عن أخرى وتكشف عن مستوى الاستقرار والتوافق الداخليين (دوستال، ٢٠٢١، ص ٨١؛ وير، ٢٠٠٧، ص –٦٥، ٩٥–١١٦)
1
360
عندما أهدى المشاط "الورد المستحيل"!
1
2
272
عمي عيدروس الذي استُشهِد في معركة عمران ١٩٩٤ ضمن اللواء الثالث، وكان أفضل لواء دروع في الجنوب، بعدما ارسلتهم القيادة الجنوبية إلى عمق مناطق القبائل، وتركتهم لقمة سائغة وسهلة، وبخطوة لا يمكن تفسير حدود غبائها واستهتارها ولو اجتمعت الجن والإنس... يتبادر إلى ذهني كلما عرفتُ عن استشهاد أحد الأبطال، كما يمرّ في رأسي شريط من الذكريات المؤلمة عن الحياة التي عاشها أولاد الشهداء وأهلهم، بينما القيادات السياسية التي هربت، وَاصَلَت حياتها على طريقة حياة الملوك، لدرجة أن حفلة عيد ميلاد أحد أبنائها كان يُحييه مغن عربي كبير!
10
12
1
60
10,046
رحم الله الشهيد أيمن عسكر، وكل الشهداء الأبرار...
184
اختلف مجد الدين المؤيدي مع الإمام أحمد حول بعض المسائل، وبعد قيام ثورة ١٩٦٢ انتقل إلى السعودية، واستقر بها، واشتغل في تدريس العلوم الدينية، وحظي بمكانة مهمة. وتُشير بعض المصادر - غير المؤكدة - بإنه قد تم في عهد الملك فيصل حق الفتوى!
178
عملياً وعلمياً من الصعب الاستدلال ببيت من الشعر والقول بإنه هذا هو الواقع. الشعر في الثقافة العربية له أغراض كثيرة من الحماسة والفخر والهجاء.. إلخ. ولذلك هو يميل عادة إلى المبالغة في رفع شأن الذات والمبالغة أيضاً في هجاء وردح الخصوم، ولهذا السبب قال القرآن، وعلى نحوٍ قطعي: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ). ولا أنكر هنا أن الشعر والأدب يعكسان جانب ما وربما مهماً من رؤية ثقافية أشمل، لكن من شروط الأمانة العلمية دراسة المقام أو السياق الذي قُيل فيه، ودراسة كيف كان يتم تلقي مثل هذه الأفكار في الوسط المعني، وقبل تحويله إلى دليل قاطع على "طبيعة الواقع". بالنسبة لمجد الدين المؤيدي فقد مرّ بتحولات عديدة حسب معرفتي، أخرها الخلاف الكبير الذي دار بينه وبين بدر الدين الحوثي، واختلاف وجهات النظر حول استمرار حصر الأحقية بالحكم في البطنين، وبلغ هذه الخلاف أوجّه مع انتشار أفكار حسين الحوثي، إلى درجة اضطرار بدر الدين بالهجرة إلى إيران. ولا أدري لماذا لم يتوقف الأستاذ زايد عند هذه المحطات المهمة؟ ازدراء السادة لتدين القبائل كان شائعاً وبقوة، ومن المقولات المشهورة "القبيلي ما يصلي على النبي إلا بعد ما يُدكم رأسه"، وفي بعض الأدبيات الزيدية كان هناك تصوّر (عنصري) حول أن آل البيت اتوا لإصلاح "الفطرة الفاسدة" للقبيلي.
كيف تمت إعادة إحياء فكرة الإمامة في اليمن بعد عام 1962، ومن أبرز المرجعيات التي كان لها دور كبير في إحيائها؟ #الهاشميه_السياسيه_في_الصوره
1
2
266
مقابلة هادئة هذه المرّة، وركزّت أكثر على الجوانب المعرفية، وهي أفضل بكثير من مقابلة سابقة للكاتب بعنوان "الزيدية الهادوية في اليمن.. صراع الألف عام" حيث طغى الرأي السياسي الحاد على المعرفة. هناك ملاحظتان في صدد ما قاله في هذا المقطع: - عندما قال الأستاذ جابر بأن المذهب الزيدي/الهادوي "أخطرها"، هل يقصد أخطر المذاهب الإسلامية على الإطلاق أم أخطرها بالنسبة لحكم بني العباس؟ - الفارق الأخر والأهم، من وجهة نظري، بين الإمامة الزيدية والإثنى عشرية في صيغتها الخمينية المُعدّلة/المُحوّرة هو أن الإمام الغائب بكونه مصطفى من الله، والإمامة وراثة للنبوة، يُشترط فيه العصمة من الذنوب والسهو والخطأ... إلخ، كالأنبياء تماماً. وعندما جاء الخميني وطوّر فكرة النيابة عن الإمام الغائب، استحوذ الولي الفقيه على موار الإمام الدينية والدنيوية، فأصبح هو "الحجة" الحية، وطاعته من طاعة الإمام المهدي، و"الراد عليه راد على الله"، وباتت المعارضة بمثابة شرك بالله. بينما كانت أهم ثلاثة شروط لشرعية الإمام في الزيدية: أن يكون من نسل البطنين، ويحوز على معرفة دينية عميقة، ومن أهم شروط المعرفة أن يكون مجتهداً وله آراء جديدة. والشرط الثالث تمثّل في "ضرورة الخروج على الحاكم الظالم"، ومنها جواز الخروج على أئمة من البطنين. وهذا يعني بإن الإمام في الزيدية ليس معصوماً، بل قد يكون ظالماً، وبالتالي يُصبح الخروج عليه مسألة شرعية واجبة، وكما حدث كثيراً في التاريخ اليمني، كما قد تكون هناك خلافات حول اجتهاداته مع مراجع دينية زيدية أخرى.
فكرة الخروج بين الزيدية والاثني عشرية.. زايد جابر (الباحث في التاريخ اليمني): اعتبرت الزيدية فكرة الإمامة الاثني عشرية «مؤامرة عباسية عليهم»، وحتى حسين الحوثي يرددها في ملازمه. #الهاشميه_السياسيه_في_الصوره
3
305
"الدولة التي بُنيت مؤسساتها على الوجه الصحيح يجب أن تكون على شاكلة ماكينة، حيث يتم ضبط كل ما بها من عجلات وتروس بدقة مع بعضها البعض. ويلعب الحاكم /الحكومة دور الرقيب أو المُحرك الرئيسي أو الروح المُحفّزة - إن جاز هذا التعبيرالتشبيه - التي تدفع كل شيء للحركة". يوهان فون يوستي Johann von Justi
"الدولة التي بُنيت مؤسساتها على الوجه الصحيح يجب أن تكون على شاكلة ماكينة، حيث يتم ضبط كل ما بها من عجلات وتروس بدقة مع بعضها البعض. ويلعب الحاكم /الحكومة دور الرقيب أو المُحرك الرئيسي أو الروح - إن جاز هذا التعبير/التشبيه - التي تدفع كل شيء للحركة". يوهان فون يوستي Johann von Justi
166
والقانون القبلي يقوم على اعترافٍ ضمني بالمساواة الأخلاقية، وتُفهم المساواة باعتبارها ادعاءً بالأهلية والكرامة بين أفراد القبائل، لا تطابقاً في الثروة والنفوذ. فالشيخ، في التصور المعياري القبلي، مُتقدّمٌ بين نظراء متساويين، ولا يمكن قبول التفاوت نظرياً، وإن كان في الواقع العملي قائماً على نحوٍ ما، لكنه يظل محل رفض ومقاومة. وصحيح ان اشتراط الخبرة والعدالة والقدرة على التفاوض والاقناع تؤخذ في الاعتبار عند اختيار الشيخ وتقييم أدائه، دون أن ينفي من جهة أخرى استمرار أُسر المشيخة ومواردها المتوراثة، وسرديتها حول الأحقية، لهذا يصبح الشعر والزوامل والتشاور أدوات سياسية في غاية الأهمية، لا مجرد زينة للمناسبات. والتنافس على المكانة لا يناقض التعاون دائماً؛ فقد يُحفِز التنافس على إظهار الكرم والوساطة والإقدام، لكنه قد ينقلب إلى استقواء حين تنفصل القيادة عن القرار الجماعي، وتنفصل الموارد عن رقابة الجماعة. والقبيلة كوحدة اجتماعية جماعية لا تستطيع، بطبيعة الحال، ضبط كل مجالات الحياة؛ فالتصرف بالملكية والتجارة والتعبير الشخصي يتيح منافسة دائمة، واستقلالاً لا يُقاسان بمعايير التضامن العام، لذلك ينبغي التمييز بين الالتزام الجماعي وطموحات الأفراد والموارد التي تمكنهم من منافسة القادة، وهي العوامل التي تؤدي إلى إعادة هندسة مواقع السلطة داخل القبيلة، كما تُميّز كل قبيلة عن أخرى وتكشف عن مستوى الاستقرار والتوافق الداخليين (دوستال، ٢٠٢١، ص ٨١؛ وير، ٢٠٠٧، ص –٦٥، ٩٥–١١٦)
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الأول) غلب على معظم المقاربات المحلية عن القبيلة اليمنية النظر إليها من خارجها، واختزالها في مجموعة من التصورات التنميطية. فظهرت في هذه المقاربات كطورٍ متخلفٍ وبدائيٍّ من أطوار التطور التاريخي في مسار بناء الدولة الحديثة، وعائقاً شرساً أمام التحديث، وبقايا فوضوية تنتظر سلطةً تضبطها، عوضاً عن دراستها بوصفها بنيةً من التنظيم الاجتماعي، وفضاءً يُنظِّم الحقوق والالتزامات والحماية بين افراده والآخرين. ولعل من أكثر هذه التصورات فداحةً التعامل مع القبائل وكأنهم قبيلة واحدة، تحكمها الظروف ذاتها، وتتطور بالكيفية نفسها، وبالتالي تستجيب بالطريقة نفسها للمحفزات الداخلية والخارجية، فتكون النتائج والمواقف متشابهة على مستوى القبائل كوحدات جماعية أو على مستوى افراد كل قبيلة. فالاشتراك في لغة الشرف والتحكيم لا يلغي اختلاف الشروط الاقتصادية والسياسية والمؤثرات الخارجية فضلاً عن تاريخ العلاقة الداخلية بالحكم وآليات انتقال المشيخة وما يُولِد من تنافس وتضامن. تُتيح مرحلة ما قبل وما بعد ١٩٦٢، والطريقة التي توزعت بها الانحيازات القبلية، اختبار هذه المقاربة على نحوٍ جيّدٍ. وتُظهِر خريطة الاصطفافات أن القبائل لم تكن «ملكية» أو «جمهورية» بطبيعتها. فقبل الثورة تداخلت معارضة الإمام مع مطالب إصلاح حكمه، ولم تكن كل معارضةٍ انحيازاً جمهورياً؛ وقد حشد الأمير الحسن قطاعات من حاشد لنصرة أحمد عام ١٩٤٨، بينما غدت قيادتها بزعامة الشيخ عبد الله الأحمر ركناً أساسياً في المعسكر الجمهوري بعد الثورة. وخلال حرب ١٩٦٢ – ١٩٧٠ استند الملكيون إلى قوى من بكيل وخولان بن عامر، لكن بكيل لم تكن جبهةً واحدةً؛ إذ وقف بيت أبو لحوم من نهم مع الجمهورية، بينما انحاز رجال من قبيلتهم إلى الملكيين. وفي صعدة شكّلت قطاعات واسعة من وائلة سنداً للإمام، بينما برز شيوخ من سحار، على رأسهم آل مجلي وشويط، في الصف الجمهوري. وانقسمت رازح على نفسها؛ ساند شيخها على أحمد العزام الملكيين، وأيد سليمان الفرح من النظير الجمهوريين. وهكذا قطعت الاصطفافات حدود الاتحادات والقبائل، وأحياناً الأسرة، وتداخل فيها الاعتقاد بشرعية الإمامة مع مظام الرهائن والتنافس على المشيخة والتحالفات والموارد والدعم الخارجي. ولم يكن رفض التدخل المصري مطابقاً دائماً لرفض الجمهورية على سبيل المثال، غير أن تعدد الدوافع لا يساوي تقلباً اعتباطياً، فعلى عكس الشائع كان هناك استقرارٌ نسبيٌّ لكثير من الولاءات المحلية خلال الحرب، خلاف استثناءات محدودة، وبما يُناقض الصورة الرائجة عن القبيلي الذي يُبدل معسكره بدون ضوابط (أوبالانس، ١٩٩٠، ص ٨٦–٨٩، ١٤٣–١٤٤؛ دريش، ١٩٨٩؛ برانت، ٢٠١٧، ص ٤٤–٥٢). فمحفزات كل قبيلة، والشروط الخارجية سواء في السياق اليمني أو المحفزات الإقليمية والدولية في فترة تحوّلت فيها دعاوي ومشاريع «الاستقلال من الاستعمار والتحرر من الاستبداد» إلى لاهوت سياسي عَرّض الأنظمة التقليدية لتحديات كبيرة (يُشير عبد الله بن حسين الأحمر إلى أن اللحظات التي قضاها في الحديث مع شخص جاء من عدن وكان مبعوثاً إلى والده من الأستاذ النعمان سنة ١٩٤٦ كانت بمثابة «غزو سياسي»، على حد تعبيره، وربما قَصَد هنا غزوا فكرياً، مذكرات الشيخ عبد الله الأحمر ٢٠٠٨، ص٣٤). ولو أخذنا أسرة آل الأحمر كنموذج، ولأسبابٍ عديدةٍ، أبرزها الدور الكبير الذي لعبته قبل وبعد الثورة. فقبل الثورة، وتحديداً العام ١٩٥٩، أعَدَم الإمام أحمد شيخ مشايخ حاشد حسين بن ناصر الأحمر وابنه حميد، واعتُقِل عبد الله، الذي سيخرج من سجن المحابشة مع سقوط الإمامة، بعد شكوكه بقيادة حميد تمردات قبيلة وخوفه من حركة لإسقاطه (مواقف القبائل من حركة حميد تباينت، فبعض من عارضوه هم من معارضي الإمام في الوقت نفسه). وتروي مذكراته كيف سُلِّم أخوه حميد بعد ضمانات قبلية، وكيف دخل والده صنعاء بأمان، ثم انتهت الضمانات إلى الاعتقال والقتل. ومن منظور القبيلة، لم يكن ذلك اعتداءً على أسرة نافذة فحسب، بل مساساً بقيمة «الوجه» وبقدرة الضمناء والوسطاء على حماية من استجار بهم. ومن ثم يمكن فهم البعد الثأري بوصفه طلباً لاستعادة اعتبارٍ انتهكته السلطة، لا انفعالاً شخصياً منفصلاً عن أصول ممارسة القبيلة للسياسة، وقد لخّص الشيخ عبد الله ذلك بكثافة: "كان الشعور لدى قبائل حاشد مشائخ وأفراد أنهم مسئولون عن حماية الثورة وأن الثورة ثورتهم، وهذا الإحساس تولد لدى حاشد نتيجة لما أصيبوا به وما نالهم من الإهانة والمعاناة، كل هذا أوجد عندهم شعور أن الثورة ما قامت إلا كرد فعل رسمي وشعبي، ومن أهم عوامل قيامها هو ما حلّ بحاشد ومشائخها" (الأحمر، ٢٠٠٨، ص ٦٥–٧٣، ٧٩–٨٢، ٩٣). ومع إن رواية المذكرات، وفي مواضعٍ أخرى عديدةٍ، لا تختزل الانحياز إلى تأييد الثورة، والوقوف في صف الجمهورية، في عامل الثأر فحسب، إذ تُشير إلى أسباب متراكمة كرفض نظام الرهائن والإذلال والتطلع إلى تغيير شروط الحكم، إلا أن المقارنة بعام ١٩٤٨ تكشف أن العداء للإمام تحكمه شروطاً غير مستقرة، كما لا ينتج هذا العداء ثقةً تلقائيةً بخصومه. ينقل الشيخ الأحمر عن عبد الله فيشي وهو رسول قادة حركة ١٩٤٨ أن والده عندما قرأ الرسالة علّق: "والله إنهم أسوأ من بيت حميد الدين، وبيت حميد الدين أشرف من هؤلاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، كنّا ننتظر الفرج فإذا بها تأتي بما هو أسوأ" (المذكرات، ص ٤٨). ومع إنه لا يَصِح تعميم موقفه على بقية شيوخ القبائل وأفرادها أو إلى رده إلى سبب الجهل أو عدم المعرفة الكافية بمشروع «الحركة الدستورية» واختلافها عن حكم بيت حميد الدين الذي اعدموه بعد عقدٍ من الزمن، كان الشيخ حسين الأحمر في تلك اللحظة في صدد التعامل مع معضلتين قائمتين؛ مطالب الإمام أحمد الذي يحتجز أبنه الكبير (حميد) كرهينةٍ بحشد القبائل ضد حركة ١٩٤٨ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى معلومات ترددت عن قيادة الإمام الجديد (الوزير) بقيادة حملة عسكرية لإخضاع حاشد، ولذلك فبالنسبة لشيخ حاشد فالبديل قد حَمَل مشروع قسرٍ كسابقه، وربما أسوأ لأن الجديد لم يكتف بأخذ الرهائن، بل باستباحة حِمى القبيلة، والأرض بالنسبة للقبيلي عِرض (الأحمر، ٢٠٠٨، ص ٤٣، ٤٧–٤٨). لفهم هذه الحسابات الدقيقة في عملية التفاوض حول بناء التحالفات والولاءات والانحيازات، ينبغي البدء من فهم «القبيلة» ذاتها بوصفها نسقاً للسلوك والمسئولية، والتزاماً مستمرأ بمعايير محددة ومنضبطة، لا مجرد انتساب جينالوجي عائلي أو عصبية قائمة على الدم، وكما اعتدنا على رؤيتها. والهُوية تُقرّ وتُكتسب من خلال الفعل، والالتزام بالسلوك الأخلاقي، واحترام القوانين العرفية، وأداء الواجبات الجماعية. فالقبيلة، في مناطقٍ واسعةٍ، جماعة إقليمية مستقرة، وتنتظم بالقرابة والجوار والأحلاف والتكافل. وشرف القبيلي لا يستنفده الاستعداد للقتال فحسب، المهمة التي يُكرِّس لها حياته ومنذ نعومة اظافره؛ بل يشمل بالتوازي أو بجانب ذلك الوفاء بالكلمة والضيافة والصدق والالتزام بالأعراف، وقد يكون قبول التحكيم والتعويض أرفع شرفاً من إدامة المواجهة. والتنافس بين القبائل حقيقيّ، لكنه منضبط بهذا التكافؤ - تنافسٌ بين أنداد، تقيس كل جماعة نفسها على الأخرى، دون أن تعلو إحداها على الأخريات بصفة دائمة ضمن معادلة «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» (دريش، ١٩٨٩، ص ٣٨ - ٦٥؛ أدرا، ٢٠٢١، ص ٢١–٣٤). والقانون القبلي يقوم على اعترافٍ ضمني بالمساواة الأخلاقية، وتُفهم المساواة باعتبارها ادعاءً بالأهلية والكرامة بين أفراد القبائل، لا تطابقاً في الثروة والنفوذ. فالشيخ، في التصور المعياري القبلي، مُتقدّمٌ بين نظراء متساويين، ولا يمكن قبول التفاوت نظرياً، وإن كان في الواقع العملي قائماً على نحوٍ ما، لكنه يظل محل رفض ومقاومة. وصحيح ان اشتراط الخبرة والعدالة والقدرة على التفاوض والاقناع تؤخذ في الاعتبار عند اختيار الشيخ وتقييم أدائه، دون أن ينفي من جهة أخرى استمرار أُسر المشيخة ومواردها المتوراثة، وسرديتها حول الأحقية، لهذا يصبح الشعر والزوامل والتشاور أدوات سياسية في غاية الأهمية، لا مجرد زينة للمناسبات. والتنافس على المكانة لا يناقض التعاون دائماً؛ فقد يُحفِز التنافس على إظهار الكرم والوساطة والإقدام، لكنه قد ينقلب إلى استقواء حين تنفصل القيادة عن القرار الجماعي، وتنفصل الموارد عن رقابة الجماعة. والقبيلة كوحدة اجتماعية جماعية لا تستطيع، بطبيعة الحال، ضبط كل مجالات الحياة؛ فالتصرف بالملكية والتجارة والتعبير الشخصي يتيح منافسة دائمة، واستقلالاً لا يُقاسان بمعايير التضامن العام، لذلك ينبغي التمييز بين الالتزام الجماعي وطموحات الأفراد والموارد التي تمكنهم من منافسة القادة، وهي العوامل التي تؤدي إلى إعادة هندسة مواقع السلطة داخل القبيلة، كما تُميّز كل قبيلة عن أخرى وتكشف عن مستوى الاستقرار والتوافق الداخليين (دوستال، ٢٠٢١، ص ٨١؛ وير، ٢٠٠٧، ص –٦٥، ٩٥–١١٦)
1
1
294