.
تتبدل الأحوال، وتتغير الأيام، وما من إنسان إلا وتمر به أوقات لا تشبه ما قبلها؛ يضحك اليوم وقد يبكي غدا، وتتهيأ له الأمور حينا، ثم تتعسر عليه في حين آخر. فما اعتاد وجوده قد يغيب، وما ألفه من سكينة قد تعكره أحداث لم تكن في الحسبان.
هذه هي الحياة؛ لا تمضي على وتيرة واحدة، ولا تستقر على حال. تتغير تفاصيلها على مهل أو على حين غرة، وتتبدل معها اهتمامات المرء ونظرته إلى كثير من الأمور. أشياء كانت تشغل باله طويلا تصبح عابرة، وأمنيات ظل ينتظرها قد تتغير وجهته عنها، وأمور لم يكن يلتفت إليها تصبح ذات شأن في أيامه.
وكم من يوم ظن الإنسان أنه لن ينتهي، ثم انقضى وصار ذكرى، وكم من ضيق حسب أن لا مخرج منه، ثم تبدلت أسبابه. وكم من فرح لم يدر بخلده أنه سيغادره بهذه السرعة، ومن حال لم يكن يتوقع أن يجد نفسه فيه.
ولعل من طبائع العمر أن الإنسان لا يبقى كما كان؛ تكبر به التجارب، وتتغير أحلامه، ويعيد النظر في أشياء كثيرة، حتى إن ما كان يراه بالأمس أمرا عظيما قد يصغر في عينيه بعد حين، وما كان يستثقله قد يتعلم كيف يتعايش معه.
فلا الفرح مقيم، ولا الحزن دائم، ولا العسر يدوم، ولا اليسر يبقى على صورته إلى الأبد.
وكثيرا ما لا تتضح لنا حكمة ما يجري إلا بعد مضي وقت؛ فننظر إلى ما مضى بعين مختلفة، وندرك أن أمورا تمنيناها لم يكن الخير في حصولها، وأن أمورا تأخرت كان في تأخرها لطف، وأن تدبير الله أوسع من إدراكنا، وأعلم بما يصلح أحوالنا.
لهذا لا ينبغي للإنسان أن يغتر بحال يسره، أو ييأس من حال يثقله؛ فالأيام دول، وليس للمرء من أمر الغد إلا الرجاء وحسن التوكل على الله.
ويبقى وسط هذا التغير كله ما لا يتغير: الله جل جلاله، الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعتريه زوال ولا تبدل.
فإذا تغيرت الأحوال، فالجأ إليه، وإذا ضاقت بك الدنيا، فلا تقطع رجاءك من رحمته، وإذا اتسعت لك، فاحمده على فضله. واجعل اعتمادك عليه في كل أحوالك؛ فما من حال إلا وهو بعلمه، وما من أمر إلا وهو بتقديره.
ليست الفتنة في غياب الحق، بل في قلوب تعرفه ثم تنصرف عنه. وقد يرى الإنسان من الآيات ما يملأ اليقين، ثم يضل حين يترك بصيرته أسيرة الهوى.
.
حين يغيب الدليل، تُمتحن البصائر، وتنكشف حقائق النفوس التي قد تخفيها أيام الرخاء.
هكذا كانت غيبة كليم الله موسى عليه السلام عن قومه؛ ثلاثين ليلة أتمها الله بعشر، ميقاتا للوحي، وابتلاءً كشف كيف تنقلب القلوب بعد أن شهدت من آيات الله ما شهدت.
فما إن غاب عنهم موسى حتى استغل السامري غيبته، وأوقد في القوم فتنة كادت تعصف بما استقر في قلوبهم من الإيمان.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
جمع السامري حليهم، وصاغ منها عجلا جسدا له خوار، فإذا ببعض القوم الذين نجوا من فرعون، وشهدوا البحر ينفلق أمام أعينهم، ينقادون إلى فتنة صنعوها بأيديهم، ويقولون:
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
أي انقلاب هذا الذي يبدل فيه الإنسان هدى الوحي بوهم تصنعه يداه، وينسى آيات ربه القريبة ليعكف على عجل لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟
لم يقف هارون عليه السلام صامتا أمام هذا الضلال، بل قام في قومه يحذرهم من الفتنة، ويدعوهم إلى التمسك بالحق، ويذكرهم بربهم الرحمن:
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
لكن القوم أصروا على عكوفهم، وأعرضوا عن نصيحته، وربطوا رجوعهم عن باطلهم بعودة موسى، قائلين:
﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
وحين عاد موسى إلى قومه، وقد آتاه الله الألواح وفيها هدى ورحمة، رأى ما حل بهم من بعده، فاشتد غضبه، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، يسأله عن تقصيره في نظره.
فلم يكن هارون غافلا عما حدث، بل أوضح لموسى أنه خشي أن يؤدي تشديده عليهم إلى تفريق بني إسرائيل، وأنه انتظر عودته لئلا يتسع الخلاف بينهم.
قال هارون:
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
ثم التفت موسى إلى صانع الفتنة، وسأله عن حقيقة أمره:
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾.
فكشف السامري عن حجته، وأقر بما صنع، ثم ختم كلامه بما يكشف حقيقة انحرافه:
﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
لم تكن حجته نجاة له من عاقبة ما صنع، ولم ينفعه ما زعم أنه أبصره؛ فقد اتبع ما سوّلت له نفسه، وأضل قوما استجابوا لفتنته.
فحكم موسى عليه السلام على العجل الذي افتتنوا به، وأعلن بطلان عبادته، ثم توعد السامري بعاقبته، وقال له:
﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾.
ثم أقبل على العجل الذي اتخذه القوم إلها، فأقسم ليحرقنه، ثم لينسفنه في اليم نسفا، حتى لا يبقى من معبودهم المصنوع شيء يعكفون عليه.
وختم موسى دعوته بإعلان الحقيقة التي لا تتبدل، ولا يزيغ عنها إلا من ضل:
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
وهكذا انكشفت الفتنة، وسقط العجل الذي بهرهم خواره، وبقي الحق واضحا لا يحتاج إلى زينة تصنعها الأيدي، ولا إلى غياب نبي حتى يختبر ثبات القلوب.
إن العبرة من هذه القصة أن النجاة من فرعون لا تكفي إن لم تنجُ القلوب من الفتنة، وأن رؤية الآيات لا تعني رسوخ الإيمان ما لم يثبت في النفوس.
فكم من حق عرفه الإنسان ثم تركه، وكم من باطل زُيّن له حتى استمسك به!
والباطل مهما بهر الأبصار، فلن يصير حقا، ومهما اجتمع الناس حوله، فلن يمنحه اجتماعهم حقيقة؛ فالله وحده هو الإله الحق، وما سواه باطل يزول.
ليست عظمة التمكين في بلوغ أسباب القوة، بل في تسخيرها للعدل، ثم رد الفضل إلى الله. وهكذا يبقى أعظم ما يبلغه صاحب السلطان أن تقوى يده دون أن يتضخم قلبه.
.
في أقاصي الأرض، تبدأ سيرة ملك طاف البلاد، وبلغ مغرب الشمس ومطلعها، وخلّد القرآن خبره في سورة الكهف، في سيرة تكشف كيف يكون التمكين حين يقترن بالعدل، وكيف يبقى الفضل لله مهما عظمت قوة الإنسان.
بدأت رحلته بأسباب التمكين التي آتاه الله إياها:
﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا﴾
فسار نحو مغرب الشمس، وهناك ظهر عدله في موقفه من قوم وجدهم عندها، فلم يُسَوِّ بين الظالم والمحسن:
﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾
ثم واصل سيره نحو مطلع الشمس، حتى بلغ قوما لم يجعل الله لهم من دونها سترا:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا﴾
ومضى يتبع الأسباب، حتى بلغ بين السدين، حيث وجد قوما يشكون فساد يأجوج ومأجوج، ويلتمسون منه أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يحميهم من أذاهم:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾
لكن ذا القرنين لم يجعل حاجتهم بابا للتكسب، بل رد عليهم بما يكشف عن إدراكه لفضل الله عليه، وطلب منهم أن يعينوه بقوتهم:
﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾
ثم طلب زبر الحديد، وأقام ردمه بين الجبلين، حتى إذا ساوى بين الصدفين، أوقد النار على الحديد، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب، فارتفع بناء عجز يأجوج ومأجوج عن اعتلائه أو نقبه:
﴿آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾
وبعد هذا الإنجاز العظيم، لم ينسب ذو القرنين الفضل إلى قوته أو قدرته، بل ردّه إلى الله، وأقر بأن ما أقامه من منعة وقوة لن يصمد أمام وعد الله حين يأتي أجله:
﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾
وهنا تبلغ القصة معناها الأعمق؛ فليس المجد فيما تبلغه الأيدي من قوة، ولا فيما تتركه خلفها من آثار، بل فيما تصنعه تلك القوة في حياة الناس، وفيما يبقى من العدل بعد انقضاء السلطان. لقد بنى ذو القرنين رَدما عجز الآخرون عن نقبه، لكنه لم يجعل من صلابته سببا للغرور، ولم تحجبه عظمة ما أنجز عن حقيقة أن كل ما بين يديه إنما هو من فضل الله.
وهكذا يعلّمنا القرآن أن التمكين مهما اتسع يظل أمانة، وأن أعظم ما يبلغه الإنسان ليس أن يملك أسباب القوة فحسب، بل أن يحسن استخدامها، ثم يمضي دون أن ينسب الفضل إلى نفسه. فالأعمال العظيمة قد تبقى زمنا، ثم يأتي عليها ما كتب الله لها، أما العدل والإخلاص ومعرفة فضل الله، فهي المعاني التي تمنح العمل قيمته، وتكشف حقيقة صاحبه.
﴿هذا رحمة من ربي﴾
أخطر ما يفعله الثراء أن يقنع صاحبه بأنه صانع نعمته، فينسى واهبها. وقارون شاهد على أن ما يرفع الإنسان في أعين الناس، قد لا ينجيه حين يسقط من عين الحقيقة.
.
في قلب الثراء الفاحش، حيث تتلألأ الكنوز
وتشمخ القصور، عاش قارون الذي بلغ
من وفرة المال شأنا عظيما، حتى إن مفاتيح
خزائنه كانت تثقل جماعة من الرجال
أولي القوة. لكنه لم يرَ في ذلك فضلا
يستوجب الشكر، بل نسب ما أوتيه إلى
علمه، فغدا مثالا للغرور حين يستبد بالمرء الثراء.
كان قارون من قوم موسى، فبغى عليهم،
فنصحه قومه أن يجعل من غناه سبيلا
إلى الخير، وأن يبتغي بثروته ثواب الآخرة
دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، فقالوا له:
﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك
ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين﴾
لكن قارون أعرض عن نصحهم، ونسب
ما أوتيه إلى نفسه، قائلا:
﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾
وغاب عنه أن أمما قبله كانت أشد منه
قوة وأكثر جمعا، فلم تغن عنها قوتها
وأموالها حين جاءها أمر الله.
وذات يوم، خرج قارون على قومه في زينته،
فاستوقفت مظاهر ثرائه أبصار الناس،
وتمنى بعضهم لو كان لهم مثل ما أوتي،
وقالوا:
﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾
أما الذين أوتوا العلم، فلم تخدعهم تلك
المظاهر، بل ذكّروا قومهم بأن ثواب الله
خير لمن آمن وعمل صالحا، وأن هذا الثواب
لا يناله إلا الصابرون.
ثم جاء ما لم يخطر ببال الذين تمنوا
مكانه؛ خسف الله بقارون وبداره الأرض،
فلم يجد من ينصره من دون الله،
ولم يكن من الممتنعين من عذابه، قال تعالى:
﴿فخسفنا به وبداره الأرض فما كان من فئة
ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين﴾
وعندها تبدلت نظرة الذين تمنوا مكانه
بالأمس، وأدركوا أن الرزق يبسطه الله
لمن يشاء ويقدره، وأن كثرة المال
ليست دليلا على الفوز والنجاة، فقالوا:
﴿ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده
ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا
ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾
وهكذا انتهى قارون؛ ظن أن ما تكدس
عنده من أموال يمنحه القوة والمنعة،
فإذا بكنوزه لا تنفعه، وبداره التي ظنها
حصنا يحميه تصبح موضع هلاكه.
فما أكثر ما تبهرنا المظاهر،
حتى تأتي النهايات فتكشف حقيقتها.
حين يعجز القلب عن احتمال فضل الله على غيره، قد يتحول الحسد إلى ظلم، والظلم إلى جريمة لا يمحوها الندم. وما أبعد المسافة بين نفس تهذبها التقوى، ونفس يوردها الهوى موارد الهلاك.
.
ما كل الحروب تبدأ بصليل السيوف
في ميادين القتال؛ فبعضها يبدأ
في خفايا النفوس، حين يضيق القلب
بما ناله غيره، ويعجز عن تقبّل
فضل الله على سواه، فيتأجج الحسد
في الصدر حتى يطمس البصيرة،
ويقود صاحبه إلى البغي،
فتُستباح حرمة الأخوة تحت سلطان الهوى.
وفي قصة ابني آدم، يكشف القرآن
كيف قاد الحسد إلى سفك الدم،
وكيف انتهى الظلم بالخسران،
والندم بعد فوات الأوان.
بدأت المأساة بقربان تقبّله الله
من أحدهما ولم يتقبله من الآخر،
قال تعالى:
﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق
إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما
ولم يتقبل من الآخر﴾
كان الأولى أن تكون الحادثة
بابا لمراجعة النفس وإصلاح العمل،
لكن الحسد غلب صاحبه،
فبدلا من محاسبة نفسه،
توعّد أخاه بالقتل، فقال:
﴿قال لأقتلنك﴾
وفي المقابل، رد أخوه الأمر
إلى ميزان التقوى، مذكّرا بأن
القبول ليس بالمفاخرة ولا بالعدوان،
وإنما بالتقوى، قال تعالى:
﴿قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾
ثم أعلن موقفه من التهديد،
رافضا أن يجعل عدوان أخيه
مبررا لأن يمد يده إليه بالقتل،
ومحذّرا إياه من عاقبة الظلم،
فقال:
﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني
ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك
إني أخاف الله رب العالمين
إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك
فتكون من أصحاب النار
وذلك جزاء الظالمين﴾
لكن الموعظة لم تردعه،
وغلبت عليه نفسه،
فمضى في جريمته وقتل أخاه،
وكانت عاقبته الخسران،
كما قال تعالى:
﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه
فقتله فأصبح من الخاسرين﴾
وبعد أن وقع ما لا يمكن تداركه،
بعث الله غرابا يبحث في الأرض،
ليريه كيف يواري جسد أخيه،
فوقف عاجزا أمام ما لم يعرفه،
وأدرك فداحة ما فعل،
قال تعالى:
﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض
ليريه كيف يواري سوأة أخيه
قال يا ويلتا أعجزت أن أكون
مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي
فأصبح من النادمين﴾
وهكذا تكشف القصة أن الحسد
قد يقود صاحبه إلى أبعد مما يتصور،
وأن التقوى تعصم النفس من البغي،
أما الندم، وإن جاء بعد فوات الأوان،
فلا يرد دما سُفك،
ولا يمحو جريمة وقعت.
أرادوا أن يستأثروا بالثمر، فحُرموا منه؛ كأن القصة تقول إن بعض النعم لا يفسدها الجحود وحده، بل يفسدها أن ننسى حق من جعل الله لهم نصيبا فيها.
.
ما أشد غفلة الإنسان حين تطول به النعمة،
فيألف عطاءها، ويحسبه حقا لا ينقطع،
ويأمن تقلّب الأيام، كأن الأقدار لن تبلغها.
ينسى أن ما يزهو بين يديه اليوم،
قد لا يبقى منه غدا إلا الذكرى،
وأن البساتين المثقلة بالثمار
قد يستحيل اخضرارها يباسا في غفلة عين.
فلا الاغترار يحفظ النعم من الزوال،
ولا الشحّ يردّ عنها قضاء الأقدار؛
وربما كان الحق الذي بخل به على المساكين
آخر ما كان يرجى به دوام البركة.
في سورة القلم،
تأتي قصة أصحاب الجنة لتكشف
كيف أفسد الطمع فرحة الحصاد،
حين عزموا أن يجنوا ثمارها سرا،
ويحرموا المساكين من خيراتها،
ماضين في تدبيرهم كأن الأمر بأيديهم.
قال تعالى:
﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة
إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون
فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون
فأصبحت كالصريم﴾
باتوا على موعد مع الثمار،
وأصبحوا على موعد مع الصدمة.
خرجوا يتخافتون في طريقهم،
ويوصي بعضهم بعضا
ألا يدخلنها عليهم مسكين،
غافلين عما تخفيه الأقدار.
قال تعالى:
﴿فانطلقوا وهم يتخافتون
أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين
وغدوا على حرد قادرين﴾
فلما بلغوا الجنة،
رأوا ما لم يخطر لهم على بال،
فأنكروا ما أبصرته أعينهم،
ثم تكشّفت لهم الحقيقة:
﴿فلما رأوها قالوا إنا لضالون
بل نحن محرومون﴾
عندها ذكّرهم أوسطهم بما غفلوا عنه،
فلم تكن خسارتهم ذهاب الثمر وحده،
بل عاقبة الطغيان ومنع حق المساكين.
فأقرّوا بظلمهم،
وأخذوا يتلاومون على ما صنعوا.
قال تعالى:
﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون
قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين
فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون
قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين
عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها
إنا إلى ربنا راغبون﴾
ثم جاء ختام القصة تحذيرا
يتجاوز خسارة الدنيا إلى عذاب الآخرة:
﴿كذلك العذاب
ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾
أرادوا أن يستأثروا بالثمرة،
فحُرموا منها،
وضاقوا بحق المساكين،
فانقلب حصادهم حسرة.
وتبقى قصتهم شاهدا على أن النعمة
لا يؤمَن زوالها مهما امتدّ رخاؤها،
وأن الطمع قد يفسد على المرء ما بين يديه،
قبل أن يحرمه ما كان يرجوه.
ما أقسى أن تألف النفس النعمة حتى تنسى المنعم، وتستثقل ما كان يوما من أسباب راحتها. وقصة سبأ تذكّرنا أن الرخاء لا يحفظه وفرة الخير، بل شكر من وهبه.
.
في غابر الأزمان، في ديار سبأ بأرض اليمن، ازدهرت أرض أتاها الله من النعم ما جعلها مضرب المثل في الخصب وحسن المعيشة.
جنتان عن يمين وشمال، وأرض تجود بخيراتها، ورزق وفير، وسبل ميسرة، حتى قال الله تعالى:
﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾
عاش القوم في رغد من العيش، تحفهم النعم من كل جانب، لكن طول الإلف قد يحجب عن العين عظمة ما تألفه، وقد تنسى النفس المنعم حين تطول عليها أسباب الرخاء.
فبدل أن يقابلوا النعمة بالشكر، أعرضوا عن أمر ربهم، وقالوا في بطرهم:
﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾
كأنهم ضاقوا بما أوتوا من تيسير، واستخفوا بما بين أيديهم من خير، فظلموا أنفسهم، وكانت عاقبة إعراضهم أن تبدل رخاؤهم، وانقلبت أحوالهم.
قال الله تعالى:
﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل﴾
هكذا انحسر الخصب، وذهب بهاء الأرض، وحل محل الثمر الطيب ما لا يغني غناءه، بعد أن كانت الجنتان عنوانا للخير والرخاء.
ولم يكن ذلك عبثا، بل جاء جزاء إعراضهم، كما قال سبحانه:
﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾
ثم تفرق أهل سبأ في البلاد، وتقطعت صلات الديار التي جمعتهم، حتى صاروا مثلا في التشتت والتفرق، بعد أن كانت أرضهم عنوانا للرخاء والاستقرار.
وخلد القرآن عاقبة أمرهم بقوله تعالى:
﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾
وبقيت قصتهم عبرة لمن يعتبر؛ فقد تألف النفس النعمة حتى تغفل عن قدرها، وتنسى المنعم حين يطول عليها الرخاء، لكن زوال النعم يوقظ القلوب إلى حقيقة أن الفضل كله لله، وأن الشكر حصن النعمة، وأن عاقبة الجحود قد تبدل حالا وتفرق جمعا وتطوي صفحة رخاء.
.
في غابر الأزمان، في ديار سبأ بأرض اليمن، ازدهرت أرض أتاها الله من النعم ما جعلها مضرب المثل في الخصب وحسن المعيشة.
جنتان عن يمين وشمال، وأرض تجود بخيراتها، ورزق وفير، وسبل ميسرة، حتى قال الله تعالى:
﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾
عاش القوم في رغد من العيش، تحفهم النعم من كل جانب، لكن طول الإلف قد يحجب عن العين عظمة ما تألفه، وقد تنسى النفس المنعم حين تطول عليها أسباب الرخاء.
فبدل أن يقابلوا النعمة بالشكر، أعرضوا عن أمر ربهم، وقالوا في بطرهم:
﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾
كأنهم ضاقوا بما أوتوا من تيسير، واستخفوا بما بين أيديهم من خير، فظلموا أنفسهم، وكانت عاقبة إعراضهم أن تبدل رخاؤهم، وانقلبت أحوالهم.
قال الله تعالى:
﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل﴾
هكذا انحسر الخصب، وذهب بهاء الأرض، وحل محل الثمر الطيب ما لا يغني غناءه، بعد أن كانت الجنتان عنوانا للخير والرخاء.
ولم يكن ذلك عبثا، بل جاء جزاء إعراضهم، كما قال سبحانه:
﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾
ثم تفرق أهل سبأ في البلاد، وتقطعت صلات الديار التي جمعتهم، حتى صاروا مثلا في التشتت والتفرق، بعد أن كانت أرضهم عنوانا للرخاء والاستقرار.
وخلد القرآن عاقبة أمرهم بقوله تعالى:
﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾
وبقيت قصتهم عبرة لمن يعتبر؛ فقد تألف النفس النعمة حتى تغفل عن قدرها، وتنسى المنعم حين يطول عليها الرخاء، لكن زوال النعم يوقظ القلوب إلى حقيقة أن الفضل كله لله، وأن الشكر حصن النعمة، وأن عاقبة الجحود قد تبدل حالا وتفرق جمعا وتطوي صفحة رخاء.
ليست الحكمة أن تملك القوة وتُحسن استخدامها فحسب، بل أن تدرك متى يكون تجنّبها أشرف من إشهارها. وفي قصة بلقيس معنى أعمق للقيادة: عقلٌ يستشير، وبصيرةٌ تتدبر العواقب، ونفسٌ لا يمنعها سلطانها من الرجوع إلى الحق حين يتبين لها.
.
إذا كان تاريخ الملوك يُكتب بحد السيف
وسطوة الجيوش وهيبة التيجان،
فإن القرآن يكشف لنا وجها آخر للعظمة،
حيث ترجح كفة الحكمة حين تعجز القوة.
إنها بلقيس، ملكة سبأ،
التي واجهت عواصف الأزمات بعقل راجح،
وقرأت ما وراء المواقف ببصيرة نافذة،
فلم تستبد بها نشوة السلطان،
ولم تستدرجها حماسة القوة إلى قرار متعجل.
حين بلغها كتاب سليمان عليه السلام،
لم تستهن بأمره، ولم تستبد بالقرار،
بل جمعت قومها تستشيرهم في شأنها،
وقالت:
﴿قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾
ثم كشفت عن عقل يدرك قدر الشورى،
فلم تجعل الملك حجابا بينها وبين قومها،
ولا السلطة ذريعة للاستئثار بالرأي،
بل قالت:
﴿قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون﴾
وكان قومها يرون في القوة العسكرية
ما يكفي لخوض المواجهة وحسم الصراع،
فأجابوها بلهجة الواثق من بأسه:
﴿قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد
والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾
لكن بلقيس لم تنخدع ببريق القوة،
ولم تجعل الحماسة العسكرية ميزانا للحكم،
بل نفذت ببصيرتها إلى ما وراء الحرب،
وأدركت ما تجره على الممالك من خراب،
فقالت:
﴿قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها
وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾
هنا تتجلى حكمة القيادة؛
فليست الشجاعة أن تُشهر السيف،
ولا الحزم أن تُسارع إلى المواجهة،
بل أن تعرف متى تُقدم ومتى تتريث،
وأن تزن العواقب قبل اتخاذ القرار.
فاختارت أن ترسل هدية إلى سليمان،
تستكشف بها حقيقة موقفه،
وتتبين أهو طالب ملك أم صاحب رسالة،
وقالت:
﴿وإني مرسلة إليهم بهدية
فناظرة بم يرجع المرسلون﴾
فلما جاءها ما كشف حقيقة الأمر،
لم تعاند ما ظهر لها من الحق،
ولم تحملها هيبة الملك على المكابرة،
بل مضت نحو الحقيقة حتى بلغت الصرح،
وهناك انتهت الحكاية إلى أعظم تحول؛
تحول من سلطان الأرض إلى خضوع القلب لله.
﴿قالت رب إني ظلمت نفسي
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾
تلك بلقيس؛
حكمة لا تستبد بالرأي،
وبصيرة لا تغتر بالقوة،
وعقل يقرأ عواقب القرار،
ونفس لم يمنعها الملك من الرجوع إلى الحق.
وهكذا لم تكن العظمة في قصة بلقيس
مجرد سلطان تحكم به البلاد،
بل كانت في حكمة جنبت قومها الاندفاع،
وفي قلب عرف الحق حين تبين له،
فترك ما دونه وأقبل على رب العالمين.
.
إذا كان تاريخ الملوك يُكتب بحد السيف
وسطوة الجيوش وهيبة التيجان،
فإن القرآن يكشف لنا وجها آخر للعظمة،
حيث ترجح كفة الحكمة حين تعجز القوة.
إنها بلقيس، ملكة سبأ،
التي واجهت عواصف الأزمات بعقل راجح،
وقرأت ما وراء المواقف ببصيرة نافذة،
فلم تستبد بها نشوة السلطان،
ولم تستدرجها حماسة القوة إلى قرار متعجل.
حين بلغها كتاب سليمان عليه السلام،
لم تستهن بأمره، ولم تستبد بالقرار،
بل جمعت قومها تستشيرهم في شأنها،
وقالت:
﴿قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾
ثم كشفت عن عقل يدرك قدر الشورى،
فلم تجعل الملك حجابا بينها وبين قومها،
ولا السلطة ذريعة للاستئثار بالرأي،
بل قالت:
﴿قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون﴾
وكان قومها يرون في القوة العسكرية
ما يكفي لخوض المواجهة وحسم الصراع،
فأجابوها بلهجة الواثق من بأسه:
﴿قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد
والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾
لكن بلقيس لم تنخدع ببريق القوة،
ولم تجعل الحماسة العسكرية ميزانا للحكم،
بل نفذت ببصيرتها إلى ما وراء الحرب،
وأدركت ما تجره على الممالك من خراب،
فقالت:
﴿قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها
وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾
هنا تتجلى حكمة القيادة؛
فليست الشجاعة أن تُشهر السيف،
ولا الحزم أن تُسارع إلى المواجهة،
بل أن تعرف متى تُقدم ومتى تتريث،
وأن تزن العواقب قبل اتخاذ القرار.
فاختارت أن ترسل هدية إلى سليمان،
تستكشف بها حقيقة موقفه،
وتتبين أهو طالب ملك أم صاحب رسالة،
وقالت:
﴿وإني مرسلة إليهم بهدية
فناظرة بم يرجع المرسلون﴾
فلما جاءها ما كشف حقيقة الأمر،
لم تعاند ما ظهر لها من الحق،
ولم تحملها هيبة الملك على المكابرة،
بل مضت نحو الحقيقة حتى بلغت الصرح،
وهناك انتهت الحكاية إلى أعظم تحول؛
تحول من سلطان الأرض إلى خضوع القلب لله.
﴿قالت رب إني ظلمت نفسي
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾
تلك بلقيس؛
حكمة لا تستبد بالرأي،
وبصيرة لا تغتر بالقوة،
وعقل يقرأ عواقب القرار،
ونفس لم يمنعها الملك من الرجوع إلى الحق.
وهكذا لم تكن العظمة في قصة بلقيس
مجرد سلطان تحكم به البلاد،
بل كانت في حكمة جنبت قومها الاندفاع،
وفي قلب عرف الحق حين تبين له،
فترك ما دونه وأقبل على رب العالمين.
ما أبقى ذكر لقمان طول عمره، ولا مالٌ جمعه، بل حكمةٌ صاغت قلبًا، ووصايا غُرست في ابنٍ فامتد أثرها إلى أجيال. وهكذا يكون ميراث الآباء؛ إيمانًا يهدي، وخلقًا يبقى، وكلمةً صالحة لا يطويها الغياب.
.
هلمّوا نتأمل كيف يخلّد الله ذكر عباده، وكيف تبقى الحكمة بعد رحيل أصحابها، بينما تطوي الأيام مظاهر السلطان والثروة. فما كل من ملك الدنيا بقي أثره، ولا كل من خفي عن أعين الناس غاب ذكره.
ومن هؤلاء لقمان الحكيم؛ رجل لم يذكر القرآن ماله ولا نسبه، وإنما ذكر حكمة آتاه الله إياها، وخلّد بها وصاياه لابنه، لتبقى كلماتها هداية للأجيال.
لقد قرن الله الحكمة بالشكر، وجعل أول ما ذكره من شأن لقمان دعوته إلى شكر المنعم سبحانه، فقال تعالى:
﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾
فالحكمة ليست علمًا يُحفظ فحسب، بل هداية تظهر في القول والعمل، ومن أول مظاهرها معرفة فضل الله وشكره على نعمه.
ومن هذا الأصل انطلق لقمان في وصاياه لابنه، فبدأ بأعظم الحقوق وأجلّها: حق الله في التوحيد، فقال تعالى:
﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾
إنه نداء الأبوة المشفقة، يضع بين يدي ابنه أعظم وصية: إفراد الله بالعبادة، والتحذير من الشرك؛ إذ لا ظلم أعظم من أن يُجعل لله شريك في العبادة، وهو الخالق المنعم المستحق وحده لها.
ثم نقل ابنه إلى معنى عظيم يضبط سلوكه، ويوقظ ضميره: أن الله لا تخفى عليه خافية، وأن صغر العمل أو خفاؤه لا يحجبه عن علم الله وقدرته، قال تعالى:
﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾
حبة بالغة الصغر، قد تستقر في صخرة أو في أرجاء السماوات والأرض، ومع ذلك يأتي بها الله. إنها وصية تغرس في النفس اليقين بأن الأعمال لا تضيع، وأن ما يخفى عن أعين الناس لا يخفى على الله، فيستقيم المرء في سره كما يستقيم في علانيته.
ثم انتقل به من أصول الإيمان إلى مقتضياته العملية، فقال تعالى:
﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾
فأمره بإقامة الصلاة، ثم بالدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، وأوصاه بالصبر على ما يصيبه في سبيل ذلك. فالإيمان ليس اعتقادًا في القلب فحسب، بل عبادة وعمل وإصلاح، يحتاج صاحبها إلى الصبر والثبات.
ولم يغفل لقمان عن تهذيب النفس في تعاملها مع الناس، فحذّر ابنه من الكبر والاستعلاء، فقال تعالى:
﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾
فلا تعرض بوجهك عن الناس تكبرًا، ولا تمش بينهم مشية المختال المعجب بنفسه؛ فرفعة الإنسان ليست في احتقار غيره، وإنما في تواضعه وحسن خلقه، مهما أوتي من نعمة أو مكانة.
ثم ختم وصاياه بآداب المشي والكلام، فقال تعالى:
﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾
اعتدال في المشي، وخفض للصوت، وابتعاد عن الصخب والتكلف؛ فالحكمة لا تقف عند الاعتقاد والعمل، بل يظهر أثرها في سلوك الإنسان وهيئته وطريقة حديثه.
تلك وصايا لقمان؛
توحيد يصون العقيدة،
ومراقبة توقظ الضمير،
وصلاة تقيم الصلة بالله،
وإصلاح يعمّ نفعه الناس،
وصبر يثبت صاحبه،
وتواضع يهذّب النفس،
وأدب يزين القول والعمل.
لم يخلّد القرآن ذكر لقمان بمال أو سلطان، وإنما خلّد حكمته ووصاياه؛ لتبقى شاهدًا على أن الكلمة الصالحة قد يتجاوز أثرها عمر قائلها، وأن الحكمة إذا اقترنت بالإيمان وحسن التربية كانت نورًا يهتدي به من جاء بعدها.
وفي وصايا لقمان تذكير للآباء بأن الأبناء لا يحتاجون إلى المال وحده، بل يحتاجون إلى من يغرس فيهم الإيمان، ويعلّمهم مراقبة الله، ويرشدهم إلى الصواب، ويهذّب أخلاقهم؛ ليحملوا هذه القيم معهم حين يغيب توجيه الآباء، ويواجهوا بها مواقف الحياة.
رجل آمن حين كذّب قومه، ونصحهم حين آذوا المرسلين، ثم لما أكرمه الله لم ينشغل بنجاته عنهم؛ ظل يتمنى أن يعرفوا ما ناله من المغفرة. هكذا اجتمع في قلبه صدق الإيمان وشجاعة الحق ورحمة المحب.
.
في قرية غلب عليها الإعراض عن الحق،
جاء ثلاثة من المرسلين يدعون أهلها
إلى عبادة الله وحده، لكنهم قابلوهم
بالتكذيب والإنكار، كما يصور القرآن
بداية القصة:
﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية
إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم
اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا
إنا إليكم مرسلون﴾
ولم يقف الأمر عند التكذيب،
بل توعد أهل القرية المرسلين
بالرجم والعذاب الأليم، قائلين:
﴿قالوا إنا تطيرنا بكم
لئن لم تنتهوا لنرجمنكم
وليمسنكم منا عذاب أليم﴾
وفي خضم هذا التكذيب،
جاء من أقصى المدينة رجل يسعى،
لم يكتف بالإيمان لنفسه،
بل بادر إلى دعوة قومه لنصرة الحق
واتباع المرسلين، فخلّد القرآن موقفه:
﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى
قال يا قوم اتبعوا المرسلين﴾
بدأ الرجل دعوته بحجة واضحة،
داعيا قومه إلى اتباع من لا يطلبون أجرا،
ثم احتج عليهم بفطرة التوحيد،
متسائلا كيف لا يعبد خالقه الذي فطره،
وكيف يتخذ من دونه آلهة لا تملك
له نفعا ولا تدفع عنه ضرا، فقال:
﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون
وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر
لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون
إني إذا لفي ضلال مبين﴾
ثم أعلن إيمانه صريحا،
غير متراجع عن الحق الذي آمن به:
﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾
وبعد ذلك، جاءه النداء
الذي يبشره بالجنة:
﴿قيل ادخل الجنة﴾
وهناك، تجلت سعة قلبه ورحمته بقومه،
فلم يتمن إلا أن يعلموا بما ناله
من مغفرة الله وكرامته، فقال:
﴿قال يا ليت قومي يعلمون
بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾
وهكذا خلد القرآن موقف رجل
سعى إلى هداية قومه،
وظل يتمنى لهم الخير؛
لتبقى قصته شاهدا على صدق الإيمان،
وشجاعة الموقف، ورحمة القلب.
.
في قرية غلب عليها الإعراض عن الحق،
جاء ثلاثة من المرسلين يدعون أهلها
إلى عبادة الله وحده، لكنهم قابلوهم
بالتكذيب والإنكار، كما يصور القرآن
بداية القصة:
﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية
إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم
اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا
إنا إليكم مرسلون﴾
ولم يقف الأمر عند التكذيب،
بل توعد أهل القرية المرسلين
بالرجم والعذاب الأليم، قائلين:
﴿قالوا إنا تطيرنا بكم
لئن لم تنتهوا لنرجمنكم
وليمسنكم منا عذاب أليم﴾
وفي خضم هذا التكذيب،
جاء من أقصى المدينة رجل يسعى،
لم يكتف بالإيمان لنفسه،
بل بادر إلى دعوة قومه لنصرة الحق
واتباع المرسلين، فخلّد القرآن موقفه:
﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى
قال يا قوم اتبعوا المرسلين﴾
بدأ الرجل دعوته بحجة واضحة،
داعيا قومه إلى اتباع من لا يطلبون أجرا،
ثم احتج عليهم بفطرة التوحيد،
متسائلا كيف لا يعبد خالقه الذي فطره،
وكيف يتخذ من دونه آلهة لا تملك
له نفعا ولا تدفع عنه ضرا، فقال:
﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون
وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر
لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون
إني إذا لفي ضلال مبين﴾
ثم أعلن إيمانه صريحا،
غير متراجع عن الحق الذي آمن به:
﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾
وبعد ذلك، جاءه النداء
الذي يبشره بالجنة:
﴿قيل ادخل الجنة﴾
وهناك، تجلت سعة قلبه ورحمته بقومه،
فلم يتمن إلا أن يعلموا بما ناله
من مغفرة الله وكرامته، فقال:
﴿قال يا ليت قومي يعلمون
بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾
وهكذا خلد القرآن موقف رجل
سعى إلى هداية قومه،
وظل يتمنى لهم الخير؛
لتبقى قصته شاهدا على صدق الإيمان،
وشجاعة الموقف، ورحمة القلب.
تختلف ابتلاءات الأنبياء، لكن يجمع سيرتهم أمر واحد: أن يبقى الإنسان مع الله مهما تبدلت عليه الأحوال. ومن هنا لا نقرأ قصصهم لنقف عند ما جرى لهم، بل لنسأل أنفسنا ماذا بقي من هديهم في حياتنا.
من آدم عليه السلام، الذي خلقه الله من طين،
إلى محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
خاتم النبيين والمرسلين؛
تتجلى في قصص الأنبياء التي حكاها القرآن الكريم
عبر وهداية، ومواقف تكشف ثبات الإيمان
أمام الابتلاء والتكذيب والعناد.
ففي قصة نوح نرى صبرا امتد ألف سنة
إلا خمسين عاما في دعوة قومه،
وفي قصة إبراهيم نرى ثبات التوحيد
أمام الطغيان، وفي قصة إسماعيل
يتجلى التسليم لأمر الله.
ومع يعقوب ويوسف، نرى ألم الفراق
وحسن الظن بالله رغم طول الحزن،
وكيف جمع الله بينهما بعد سنوات
من الغياب والابتلاء.
وفي قصص هود وصالح ولوط وشعيب،
نرى عاقبة التكذيب والإفساد،
ونتأمل ما تحمله دعوة شعيب
من تأكيد على العدل وحفظ الحقوق.
وفي قصة موسى، نرى مواجهته فرعون،
وما أيد الله به نبيه من الآيات،
حتى انفلق البحر، ونجّى الله موسى
ومن معه، وغرق فرعون وجنوده.
وفي قصتي داود وسليمان،
نرى الملك والحكمة وما آتاهما الله
من فضل، وما يقتضيه ذلك من شكر
وإنابة إلى الله.
أما أيوب، ففي قصته عبرة في الصبر
واللجوء إلى الله عند اشتداد البلاء،
وفي قصة يونس نرى التوبة والإنابة
في ظلمات البحر، حين نادى ربه،
فاستجاب له ونجّاه من الغم.
ودعا إلياس قومه إلى عبادة الله وحده،
وسأل زكريا ربه ذرية طيبة،
فبشره بيحيى، فيما أيد الله عيسى
بالمعجزات البينات، فكان يبرئ الأكمه
والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
وكان الختام بسيرة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
خاتم النبيين والمرسلين، الذي بعثه الله
بالهدى ودين الحق، وجعله رحمة للعالمين،
فقال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
وقد ظهرت آثار هذه الرسالة في حياته
وفيما بلغه للناس من هدى الله،
فدعا إلى توحيده، ورعى حقوق الناس،
وحث على مكارم الأخلاق وإقامة العدل،
وجعل الرحمة أصلا في معاملة الخلق.
وببعثته ختم الله النبوة،
وأنزل عليه القرآن هداية للناس،
وبقيت سيرته مثالا يهتدى به
في الإيمان والقول والعمل.
إن قصص الأنبياء ليست أخبارا من الماضي
نقرؤها ثم نمضي، بل هي من هداية القرآن
التي نتعلم منها الثبات على الحق،
والصبر عند البلاء، والعدل في المعاملة،
والرجوع إلى الله في كل حال.
نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم،
وأن يرزقنا تدبر آياته والعمل بها،
وأن يجعل هدايته نورا لقلوبنا
وصلاحا لأعمالنا.
من آدم عليه السلام، الذي خلقه الله من طين،
إلى محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
خاتم النبيين والمرسلين؛
تتجلى في قصص الأنبياء التي حكاها القرآن الكريم
عبر وهداية، ومواقف تكشف ثبات الإيمان
أمام الابتلاء والتكذيب والعناد.
ففي قصة نوح نرى صبرا امتد ألف سنة
إلا خمسين عاما في دعوة قومه،
وفي قصة إبراهيم نرى ثبات التوحيد
أمام الطغيان، وفي قصة إسماعيل
يتجلى التسليم لأمر الله.
ومع يعقوب ويوسف، نرى ألم الفراق
وحسن الظن بالله رغم طول الحزن،
وكيف جمع الله بينهما بعد سنوات
من الغياب والابتلاء.
وفي قصص هود وصالح ولوط وشعيب،
نرى عاقبة التكذيب والإفساد،
ونتأمل ما تحمله دعوة شعيب
من تأكيد على العدل وحفظ الحقوق.
وفي قصة موسى، نرى مواجهته فرعون،
وما أيد الله به نبيه من الآيات،
حتى انفلق البحر، ونجّى الله موسى
ومن معه، وغرق فرعون وجنوده.
وفي قصتي داود وسليمان،
نرى الملك والحكمة وما آتاهما الله
من فضل، وما يقتضيه ذلك من شكر
وإنابة إلى الله.
أما أيوب، ففي قصته عبرة في الصبر
واللجوء إلى الله عند اشتداد البلاء،
وفي قصة يونس نرى التوبة والإنابة
في ظلمات البحر، حين نادى ربه،
فاستجاب له ونجّاه من الغم.
ودعا إلياس قومه إلى عبادة الله وحده،
وسأل زكريا ربه ذرية طيبة،
فبشره بيحيى، فيما أيد الله عيسى
بالمعجزات البينات، فكان يبرئ الأكمه
والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
وكان الختام بسيرة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
خاتم النبيين والمرسلين، الذي بعثه الله
بالهدى ودين الحق، وجعله رحمة للعالمين،
فقال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
وقد ظهرت آثار هذه الرسالة في حياته
وفيما بلغه للناس من هدى الله،
فدعا إلى توحيده، ورعى حقوق الناس،
وحث على مكارم الأخلاق وإقامة العدل،
وجعل الرحمة أصلا في معاملة الخلق.
وببعثته ختم الله النبوة،
وأنزل عليه القرآن هداية للناس،
وبقيت سيرته مثالا يهتدى به
في الإيمان والقول والعمل.
إن قصص الأنبياء ليست أخبارا من الماضي
نقرؤها ثم نمضي، بل هي من هداية القرآن
التي نتعلم منها الثبات على الحق،
والصبر عند البلاء، والعدل في المعاملة،
والرجوع إلى الله في كل حال.
نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم،
وأن يرزقنا تدبر آياته والعمل بها،
وأن يجعل هدايته نورا لقلوبنا
وصلاحا لأعمالنا.
من قصة عيسى عليه السلام يبقى معنى عظيم: قد يظن الناس أنهم حسموا الأمر بالقوة والمكر، لكنهم لا يملكون خاتمة القصة. الله برّأ مريم، وأظهر حقيقة عيسى، وأبطل تدبير من أرادوا به سوءا.
ماذا يحدث حين تنشق أستار الغيب عن معجزة تزلزل القوانين المألوفة، لتقف البراءة أمام قلوب تفيض جحودا وقسوة؟
بدأت قصة عيسى عليه السلام بمعجزة تجاوزت المألوف، حين اصطفى الله مريم ابنة عمران وطهّرها، وبشّرها بغلام زكي، آية من آياته، يُخلق من غير أب، ليكون للناس آية ورحمة.
وحين حملت نبي الله في أحشائها، لم تواجه آلام المخاض وحيدة تحت جذع النخلة فحسب، بل واجهت أيضا اتهامات مجتمع لا يرحم، حتى أنطقه الله في المهد بأمره، معلنا براءة أمه ومجاهرا بالحق:
﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾
فكانت العبودية لله أول ما نطق به، براءة لأمه الصديقة، وتقريرا لحقيقة رسالته منذ اللحظة الأولى.
كبر عيسى عليه السلام يحمل رسالة التوحيد، ويدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده، وأيده الله بمعجزات أبهرت العقول؛ فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.
لكن النور لا يجبر كل عين على الإبصار، ولا تقود المعجزات كل قلب إلى الإيمان.
وحين أحس منهم الكفر، التفت إلى أصحابه مستنصرا:
﴿من أنصاري إلى الله﴾
فأجابه الحواريون بيقين صادق:
﴿نحن أنصار الله﴾
ومع اتساع دعوته، تصاعد مكر أعدائه الذين رأوا في رسالته خطرا يهدد نفوذهم ومصالحهم، فتآمروا عليه، ظانين أن قوتهم وتدبيرهم قادران على إنهاء أمره وإطفاء نور رسالته.
لكن تدبير الله كان فوق مكرهم، وإرادته أقوى من كيدهم، فحسم القرآن الحقيقة الخالدة بقوله تعالى:
﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾
ثم قال سبحانه:
﴿بل رفعه الله إليه﴾
وهكذا خابت مساعيهم، ولم يبلغوا ما أرادوا، ورفع الله عيسى إليه، وجعل نزوله في آخر الزمان آية من آياته وحكمة من حكمه.
إنها قصة تذكرنا بأن الحق قد يُحاصر، والنفوس الطاهرة قد تتعرض للظلم، وأن مكر البشر مهما بلغ لا يخرج عن سلطان الله وتدبيره، وأن العاقبة ليست دائما لمن يملك القوة، بل لمن يشاء الله أن ينصره ويؤيده.
سلام على عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله، وسلام على أمه الصديقة التي اصطفاها الله وطهرها، وسبحان من إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
ماذا يحدث حين تنشق أستار الغيب عن معجزة تزلزل القوانين المألوفة، لتقف البراءة أمام قلوب تفيض جحودا وقسوة؟
بدأت قصة عيسى عليه السلام بمعجزة تجاوزت المألوف، حين اصطفى الله مريم ابنة عمران وطهّرها، وبشّرها بغلام زكي، آية من آياته، يُخلق من غير أب، ليكون للناس آية ورحمة.
وحين حملت نبي الله في أحشائها، لم تواجه آلام المخاض وحيدة تحت جذع النخلة فحسب، بل واجهت أيضا اتهامات مجتمع لا يرحم، حتى أنطقه الله في المهد بأمره، معلنا براءة أمه ومجاهرا بالحق:
﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾
فكانت العبودية لله أول ما نطق به، براءة لأمه الصديقة، وتقريرا لحقيقة رسالته منذ اللحظة الأولى.
كبر عيسى عليه السلام يحمل رسالة التوحيد، ويدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده، وأيده الله بمعجزات أبهرت العقول؛ فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.
لكن النور لا يجبر كل عين على الإبصار، ولا تقود المعجزات كل قلب إلى الإيمان.
وحين أحس منهم الكفر، التفت إلى أصحابه مستنصرا:
﴿من أنصاري إلى الله﴾
فأجابه الحواريون بيقين صادق:
﴿نحن أنصار الله﴾
ومع اتساع دعوته، تصاعد مكر أعدائه الذين رأوا في رسالته خطرا يهدد نفوذهم ومصالحهم، فتآمروا عليه، ظانين أن قوتهم وتدبيرهم قادران على إنهاء أمره وإطفاء نور رسالته.
لكن تدبير الله كان فوق مكرهم، وإرادته أقوى من كيدهم، فحسم القرآن الحقيقة الخالدة بقوله تعالى:
﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾
ثم قال سبحانه:
﴿بل رفعه الله إليه﴾
وهكذا خابت مساعيهم، ولم يبلغوا ما أرادوا، ورفع الله عيسى إليه، وجعل نزوله في آخر الزمان آية من آياته وحكمة من حكمه.
إنها قصة تذكرنا بأن الحق قد يُحاصر، والنفوس الطاهرة قد تتعرض للظلم، وأن مكر البشر مهما بلغ لا يخرج عن سلطان الله وتدبيره، وأن العاقبة ليست دائما لمن يملك القوة، بل لمن يشاء الله أن ينصره ويؤيده.
سلام على عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله، وسلام على أمه الصديقة التي اصطفاها الله وطهرها، وسبحان من إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
.
﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا﴾
بهذا النداء الإلهي، تجلت ملامح يحيى؛
غلام آتاه الله الحكم صبيا،
ومنحه حنانا، وطهرا، وزكاة.
فاجتمع فيه العلم، والهدى، والتقوى،
ولم يكن صغر السن حاجزا.
ورسم القرآن العظيم ملامح طهره،
فكان تقيا، وبوالديه برا،
ولم يكن جبارا عصيا.
فاجتمع فيه صفاء القلب، والطاعة،
والإحسان الصادق إلى والديه.
لم تكن منزلته بمتاع يجمعه،
ولا بسنوات يقضيها في الدنيا،
بل بما آتاه الله من هدى،
وما اتصف به من صلاح.
لتبقى سيرته شاهدا على الرفعة،
التي لا تقاس بأعوام العمر،
وإنما بما يملأ القلب من إيمان،
وما يظهر في العمل من خير.
وقد ختم الله ذكره بثناء،
فقال سبحانه في كتابه:
﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم
يموت ويوم يبعث حيا﴾
وهكذا بقي يحيى مثالا للغلام،
الذي آتاه الله الحكم صبيا،
وزكاه بالتقوى، والبر، والسلام.
لتظل سيرته برهانا على أن الرفعة،
لا يصنعها طول السنين،
بل يمنحها الله لمن يشاء،
من عباده الأتقياء الصالحين.
يحيى عليه السلام يذكّرنا أن النضج ليس مسألة عمر؛ فقد يبلغ الإنسان سنين طويلة ولا يتهذب قلبه، ويمنح الله غلاما من الحكمة والطهر ما يرفع ذكره إلى يوم القيامة.
.
﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا﴾
بهذا النداء الإلهي، تجلت ملامح يحيى؛
غلام آتاه الله الحكم صبيا،
ومنحه حنانا، وطهرا، وزكاة.
فاجتمع فيه العلم، والهدى، والتقوى،
ولم يكن صغر السن حاجزا.
ورسم القرآن العظيم ملامح طهره،
فكان تقيا، وبوالديه برا،
ولم يكن جبارا عصيا.
فاجتمع فيه صفاء القلب، والطاعة،
والإحسان الصادق إلى والديه.
لم تكن منزلته بمتاع يجمعه،
ولا بسنوات يقضيها في الدنيا،
بل بما آتاه الله من هدى،
وما اتصف به من صلاح.
لتبقى سيرته شاهدا على الرفعة،
التي لا تقاس بأعوام العمر،
وإنما بما يملأ القلب من إيمان،
وما يظهر في العمل من خير.
وقد ختم الله ذكره بثناء،
فقال سبحانه في كتابه:
﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم
يموت ويوم يبعث حيا﴾
وهكذا بقي يحيى مثالا للغلام،
الذي آتاه الله الحكم صبيا،
وزكاه بالتقوى، والبر، والسلام.
لتظل سيرته برهانا على أن الرفعة،
لا يصنعها طول السنين،
بل يمنحها الله لمن يشاء،
من عباده الأتقياء الصالحين.
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام تترك في النفس معنى يتجاوز انتظار الولد؛ فزكريا رأى في محراب مريم رزقا لم تألفه الأسباب، ففتح ذلك في قلبه باب الدعاء. ثم جاءه يحيى هبة من الله، لا تشبه حسابات العمر ولا حدود الممكن.
تتوالى سنو العمر على زكريا،
ويشتعل الرأس شيبا، ويوهن العظم،
وامرأته عاقر، وقد امتدت بهما السنون،
حتى بدت أسباب البشر عاجزة عن الرجاء.
لكن قلبه ظل معلقا بربه،
لا يطفئ يقينه طول الانتظار،
ولا يحجب ضعف الأسباب سعة رحمته.
وكان زكريا كافل مريم،
يدخل عليها المحراب، فيجد عندها رزقا،
وكلما سألها عنه قالت:
﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾.
هناك، تجدد الرجاء في قلبه،
فدعا ربه أن يرزقه ذرية طيبة:
﴿رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾.
ثم ناجى ربه، شاكيا ضعف جسده،
وتقدم عمره، وعقم امرأته:
﴿رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا
ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي
من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي
من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب
واجعله رب رضيا﴾.
فجاءته البشرى وهو قائم يصلي،
ونادته الملائكة تبشره بيحيى:
﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى
لم نجعل له من قبل سميا﴾.
تعجب زكريا، كيف يكون له غلام،
وقد بلغه الكبر وكانت امرأته عاقرا؟
فجاءه الجواب:
﴿كذلك قال ربك هو علي هين
وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾.
وجعل الله آيته ألا يكلم الناس
ثلاثة أيام إلا رمزا؛
فخرج على قومه من المحراب،
وأشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا.
وجاء يحيى، آتاه الله الحكم صبيا،
وحنانا من لدنه وزكاة، وكان تقيا،
بارا بوالديه، ولم يكن جبارا عصيا،
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت
ويوم يبعث حيا.
وهكذا جاء الفرج بعد طول انتظار،
لتبقى قصة زكريا شاهدة على أن
ما تعجز عنه الأسباب لا يعجز الله،
وأن الدعاء لا يضيع مع حسن الظن به.


