
حرفٌ قد يجرّ لك نفعاً .. @hij_imamu | @Saudi_SBA
Joined June 2016
- Tweets1.6K
- Following134
- Followers81.8K
- Likes1.5K
إياك أن تظن أن الدعاء لا يُثمر إلا بنيل ما سألت؛ فربما ساقتك حاجتك إلى باب الله لتجد عنده من الأنس ما لم يخطر لك، وربما تأخرت أمنيتك حتى لا يبقى في قلبك تعلّق بها يفوق تعلّقك بربك، فليس أعظم ما تجنيه من الدعاء الإجابة، بل قلبٌ وجد في القرب من الله أُنساً يهوّن عليه وحشة الانتظار.
قد تمر بك أيام تعجز فيها عن شرح ما يختلج في صدرك، وتخونك الكلمات حين تحاول بثها؛ فثمة أوجاع لا تخففها الفضفضة، ولا يشرحها الكلام، فلا تستنزف قلبك في طلب الفهم، وخذ شكواك إلى الله؛ فهو يعلم ما عجزت عن قوله، ويسمع صمتك، وألقِ في خلوتك وسجودك ما قد تضيق به صدور الخلق، فالله أرحم بك.
أقسى ما في الغفلة؛ أن يمضي عمرك وأنت تظن أنك بخير، وأنك ما زلت على الطريق، فتألف تقصيرك حتى تنجلي لك حقيقة حالك، فتكتشف أنك كنت تفتّش عن السكينة في كل شيء إلا في القرب من الله؛ فتتحسّر على قرب أضعته، وأنس استبدلته، وروح أرهقتها في التيه، وعمر مضى بعيداً عن بابٍ ما أُغلق دونك قط.
الطمأنينة؛ أن تحمل في صدرك ألف سؤال ولا يفقد قلبك ثقته بالله، وألا تستوحش درباً اختاره الله لك، وأن تمضي في أقدار غابت عنك حكمتها دون أن تجعل فهمها شرطاً لسكينتك، فليس من تمام اليقين أن تنكشف لك الأسرار، بل أن يبقى قلبك مطمئناً وإن غابت الإجابات، ما دمت تحسن الظن بمن بيده الجواب.
القلب إذا استند إلى الخلق؛ أرهقه خوف الفقد، وأذله انتظار الودّ، وبات أسيراً لقلوب تتقلب، يخشى رحيلها وكأن برحيلها نهايته، حتى ينسى أن قيمته لا يهبها عابر ولا يسلبها راحل، بخلاف من آوى إلى الله، فلا يضنيه رحيل، ولا يستجدي وداً، لأنه يعلم أن من اتكأ على الله لم يطفئ الفقد نور قلبه.
قد تقف أمام حلمك عاجزاً، وترى المسافات بينك وبينه أبعد من أن تُقطع، وتسمع من يذكرك بحدودك حتى تكاد تنسى سعة فضل الله، لا تجعل ضيق رؤيتك حكماً نهائياً على ما تخبئه الأقدار، ولا تقس سعة أقدار الله على حدود ظنونك، فكم من أمر أطبق الناس على استحالته ثم جاء تدبير الله على غير ما ظنوا.
ما أشد شقاء سيئ الظن؛ يرهق قلبه بتأويل المواقف، ويستنزف روحه في تتبع الزلات، فلا يهنأ بود، ولا يسلم له لقاء، حتى تصبح الظنون أثقالاً يحملها وحده، يا صاح؛ العمر أقصر من أن تقضيه في محاكمة نوايا الخلق، فهي سرائر استأثر الله بعلمها، وإن رأيت من يحاكم النوايا فقل له "أشققت عن قلبه ؟"
سيذكّرونك بخساراتك والفرص التي فاتتك، وكأن ما مضى لا يُعوّض، لكن ليست كل الخسارات نقصاً في أعمارنا؛ فبعض ما نفقده يعيد إلينا أنفسنا، وبعض ما أبكانا يوقظ فينا روحاً ما كانت لتولد لولا الألم، حتى يأتي يوم نحمد الله فيه على ما كسرنا، لا لأنه كان هيّناً، بل لأننا لم نعد بعده كما كنا.
ادعُ ربك في كل حالاتك، ولا تنتظر أجواء خاصة لتبوح بما في قلبك؛ فلعل دعوة عابرة كانت بداية لطريق لم يخطر لك، أو مفتاحاً لخير لم تتوقعه، فلا تدري كيف تغير دعوة صادقة مجرى أمرك، فموسى عليه السلام وهو يمضي غريباً إلى مدين فوّض أمره لربه بكلمات يسيرة ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾.
دعاؤك من أعظم أسباب النصر، وتأمل هذا الدعاء ﴿قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله﴾ فلا تغفل عن سلاح تملكه وأنت في مكانك، ولا تستهن بدعوة ترفعها في جوف الليل؛ فلعل دعوة لا يسمعها من حولك، يبلغ أثرها ما لم تبلغه يداك وتراه عيناك.
أرأيت هذه الأيام ؟
ستنقضي بإذن الله ولن تطول، وستغدو يوماً مجرد ذكرى نرويها حين تصفو الأيام، فما نشهده من تقلبات لن يدوم على حال، وستشرق في سمائنا أيامٌ أكثر طمأنينة، وما الشدائد التي نمرّ بها إلا محطات تعيد ترتيبنا، وتشد من أزرنا، وتمنحنا من الوعي ما لا تمنحه لنا الأيام الهادئة.
حين يعجزون عن مواجهة الرجال، يفتشون في قاع الوضاعة عن هدف لا يقوى على الدفاع عن نفسه، أن تمتدّ أيادي الغدر لتستهدف المعتمرين في المطار وترتطم بطمأنينة الآمنين، فما هي إلا رفسة يائسٍ تكشف عورته أمام العالم وتعجل بهلاكه.
اللهم اقطع دابرهم بقهرك، وأنزل عليهم بأساً لا يُرد من عندك.
تستوقفني سكينة تلك الأرواح التي نضجت فاستوت؛ فهم لا يرون الحياة بأبصارهم بل ببصائرهم، ويتقبلون تقلبات أيامهم بقلب راضٍ، ويستشعرون دائماً لطف الله من حولهم، ويسيرون في لظى ابتلاءات الحياة ومشاقها وهم يبتسمون، لا تكلفاً بل ثقة بأن الذي أودع في قلوبهم الطمأنينة، سيتولى مآلهم برحمته.
قد يكون الحق معك، وحجتك لا تُرد، ثم تخسر القلوب لأن الكلمة خرجت جافة، فالناس لا تفتح قلوبها لمن يعلو عليها بالحجة، بل لمن يحنو عليها بالكلمة، فاجعل حسن خلقك يسبق برهانك، فربّ لينٍ أحيا قلباً لم يلِن بعشرات الحجج، وصدق الحق سُبحانه: ﴿ولو كنت فظّاً غليظَ القلب لانفضُّوا من حولك﴾.
رفعت يدي ولا أدري من أين أبدأ ولا بماذا أنتهي، فكان الوقوف بين يديه أعظم من كل استجابة؛ إذ كان الدعاء لقلبي ملجأ، ولروحي سكناً، ويداً خفية ترمم انكساري، ونوراً يفتت أوهام الخوف في صدري، ومفتاحاً لأبواب أُغلقت دونها الأسباب، وهناك ذقت فعلاً أن أعذب ألطاف الله أن أبث همي إليه وحده.
ألم تتساءل: لماذا يوحشك البعد عن الله، بينما غيرك لا يُبالي ؟ لأنك محاط بعناية الله الخفيّة؛ فلولا لطفه ما ساق روحك للرجوع، ولولا حنانه ما أيقظك لمناجاته في هدوء الليل والناس نيام، ولولا رعايته ما هداك لمرضاته وأسبغ عليك الأجر في زمن الغفلة، ولولا كرمه ما ألهمك الدعاء إلا ليعطيك.
حين يمتلئ صدرك بما يعجز اللسان عن بثّه، وتخلو بروحك تحاول لمّ شتاتها، وتداوي انكساراً لا يُرى، وتشعر بأن كل شيء تداعى عليك، هذا العراء الروحي ليس إلا لُطفاً إلهياً لتبلغ مقام الاضطرار؛ حيث تتجرد من كل شيء، فلا يبقى بينك وبين الله إلا يقين العاجز، هناك تبدأ الولادة الحقيقية لروحك.
﴿لا تدري لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمراً﴾
هنا تسكن أرواحنا؛ فلا ندري أين تستتر الخيرة، فرب مكروه كمنت فيه سعادتنا، ورب محبوب خفي عنا ضرره فصرفه الله عنا، والله إذا أراد بك خيراً ساقه إليك ولو كان من ممرٍ أضيق من ثقب إبرة، حتى تذهلك لحظة وصوله، وتخجل من قلّة صبرك أمام حُسن تدبيره.
ليس هيّناً أن تقول الحمد لله وصوتك يخنقه الألم وقلبك يعتصره الوجع، بل هي روح تُغالب ألمها باليقين، فغيمة البلاء ستمضي بكل مرارتها، لكن ثباتك، ورضاك، وعظيم تسليمك سيبقى محفوراً في ميزانك يؤنسك يوم تلقى الله، والصبر الذي يهدّ كاهلك اليوم، سيكون غداً هو النور الذي يعبر بك نحو الجنة.
